دور سلطنة عمان الدبلوماسي في الأزمة اليمنيَّة –2015 – 2026 م
( تقرير )
عمار محمَّد فائل يسلم
باحث في الدبلوماسيَّة والعلاقات الدوليَّة
ساهمت سلطنة عمان في سياستها الخارجيَّة القائمة على الحياد الإيجابي في لعب دور تفاوضي مؤثِّر في الأزمة اليمنيَّة خلال الفترة من (2026 – 2015)م، والتي ارتكزت على جملة من المبادئ والأسس؛ أبرزها الدبلوماسيَّة الهادئة والحياد، وعدم التدخُّل في شؤون الغير، والنأي بنفسها عن سياسة المحاور مفضِّلة أنْ تلعب دور الوسيط المحايد بين أطراف الأزمة اليمنيَّة، وهذا ما محنها مصداقيَّة دوليَّة، وجعلها وسيطًا يحظى بثقة الأطراف المتنازعة.
إنَّ الموقف الرسمي لسلطنة عمان من حرب اليمن، وعاصفة الحزم في 25 مارس 2015م اتسم بالوضوح والثبات، وانطلق من مبادئ السياسة الخارجيَّة العمانيَّة القائمة على الحياد، وعدم التدخُّل في شؤون الآخرين، وتغليب الحلول السلميَّة، ورفض الحلول العسكريَّة، والدعوة إلى حوار يمني شامل، والتأكيد على وحدة اليمن، واستقلال قراره الوطني، وسلامة أراضية .
جاء بيان وزارة الخارجيَّة العمانيَّة في 30/ ديسمبر 2025م جدَّدت من خلاله سلطنة عمان موقفها من التعامل مع الأزمة اليمنيَّة، داعية إلى حلٍّ سياسيٍّ شاملٍ عبر التفاهم والحوار الذي يخدم أمن اليمن والجوار الإقليمي.
وفيما يلي استعراض زمني لأهم المواقف العمانيَّة تجاه الأزمة اليمنيَّة:
- في سبتمبر 2015 م استضافت العاصمة العمانيَّة مسقط جولات تفاوضيَّة مبكِّرة ضمن جهودها الدبلوماسيَّة لاحتواء الأزمة اليمنيَّة في تقريب وجهات النظر عن طريق المفاوضات بين وفد حكومة صنعاء، والمبعوث الأممي إلى اليمن بهدف بحث وقف إطلاق النار، وإطلاق مبادرة سلام، وكانت من أوائل الجولات التي عقدت بين أطراف الصراع منذ بداية الحرب، واستضافت مسقط وفد حكومة صنعاء ممَّا سهَّل الكثير من الجهود التفاوضيَّة، وخلق بيئة مناسبة؛ لفتح قنوات اتصال، وإعادة بناء الثقة بين الأطراف.
- في ديسمبر 2018 م ضمن اتفاق ستوكهولم الذي كان برعاية الأمم المتَّحدة حول ميناء الحديدة والذي استضافة السويد في خفض التصعيد، والسماح بدخول السفن، تمثَّل الدور العماني في تهيئة المناخ السياسي عبر فتح قنوات تواصل مع جميع الأطراف، ودعم جهود المبعوث الأممي دبلوماسيًّا بما يتَّسق مع سياسة عمان القائمة على الوساطة الهادئة.
- في إبريل 2022 م وفي إطار الوساطة التي قادتها الأمم المتَّحدة، والتي أدَّت إلى فتح مطار صنعاء الدولي أمام الرحلات الإنسانيَّة ساندت عمان الجهود الدوليَّة، وحثَّت على تنفيذ بنود الهدنة، وتعدُّ سلطنة جسرًا دبلوماسيًّا بين الجهات الإقليميَّة والدوليَّة .
- في إبريل 2023 م زار السفير السعودي في اليمن – محمد آل جابر العاصمة صنعاء برفقة فريق سعودي عماني، والتقى خلالها مهدي المشَّاط – رئيس المجلس السياسي الأعلى في حكومة صنعاء، ومسؤولين آخرين في إطار الجهود لوقف القتال، وتثبيت الهدنة، ودعم عمليَّة تبادل الأسرى، وفتح آفاق الحوار للوصول إلى حلٍّ سياسيٍّ شامل، كان هناك تنسيق، ودور بارز لسلطنة عمان في تقريب وجهات النظر؛ لتحقيق سلام دائم.
- في مايو 2025 م أعلن عن اتفاق لوقف العمليَّات العسكريَّة في البحر الأحمر، وخليج عدن بين الولايات المتَّحدة، وحكومة صنعاء؛ لضمان حريَّة الملاحة البحريَّة الدوليَّة، وأعلنت وزارة الخارجيَّة العمانيَّة أنَّها توسَّطت بين الأطراف، للتوصُّل إلى اتفاق بشأن إيقاف العمليَّات العسكريَّة، وهو ما يعزِّز أمن الممرَّات المائيَّة الدوليَّة، ويحافظ على حركة التجارة العالميَّة.
- في ديسمبر 2025 م تمَّ التوصُّل إلى اتفاق تاريخي لتبادل ألفين وتسعمائة أسير ومحتجز يمنيٍّ بين الحكومة المعترف بها دوليًّا، وحكومة صنعاء، وهي أكبر عمليَّة لتبادل الأسرى، والمحتجزين منذ سنوات الحرب برعاية الأمم المتَّحدة، وبدعم من اللجنة الدوليَّة للصليب الأحمر، وتمَّ ذلك خلال جولة من المشاورات في العاصمة العمانيَّة مسقط قدَّمت عمان دعمًا دبلوماسيًّا وإجرائيًّا؛ لإنجاح الحوار ممَّا وفَّر بيئة مناسبة للصفقة، كما أنَّ لسلطنة عمان جهودًا إنسانيَّة سابقة في الإفراج عن محتجزين في اليمن، مثل تسهيل عودة طواقم السفن، أو فرق عمل من صنعاء؛ ممَّا يعكس اهتمامها بالقضايا الإنسانيَّة .
وقد أثار اتفاق تبادل الأسرى العديد من المواقف:
عبَّرت وزارة الخارجيَّة اليمنيَّة في الحكومة المعترف بها دوليًّا عن أملها في أنْ يسهم الاتفاق الذي تمَّ التوصل إليه بشأن تبادل الأسرى في تهيئة الظروف المناسبة؛ لمعالجة بقيَّة الملفَّات، وأعربت عن تقديرها لجهود المملكة العربيَّة السعوديَّة، وسلطنة عمان، ومساعيهم الحثيثة في تسيير مفاوضات تبادل الأسرى، ودفعها نحو التوصُّل إلى الاتفاق الذي تمَّ توقيعه في مسقط، وثمَّنت جهود مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتَّحدة، والصليب الأحمر لما بذلوه من دور مهنيٍّ، وإنسانيٍّ بالغ الأهميَّة.
وبدورها عبَّرت اللجنة الوطنيَّة لشؤون الأسرى التابعة لحكومة صنعاء عن شكرها لسلطنة عمان، وجهودها في احتضان، ورعاية، وإنجاح جولة المفاوضات.
رحَّب المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ بالاتفاق، وعدَّه خطوة إيجابيَّة مهمَّة في تخفيف المعاناة الإنسانيَّة مؤكِّدًا أن الوساطة العمانيَّة شكَّلت ركيزة أساسيَّة في تهيئة الأجواء السياسيَّة، والإنسانيَّة للوصول إلى هذا الاتفاق.
-كما أثنت المملكة العربيَّة السعوديَّة على دور سلطنة عمان الدبلوماسي في الوصول إلى الاتفاق، وأعدَّته خطوة إنسانيَّة تسهم في بناء الثقة بين الأطراف اليمنيَّة.
وزارة الخارجيَّة المصريَّة رحَّبت بالاتفاق، وأعدَّته بصيص أمل؛ لإنهاء الأزمة اليمنيَّة، والمضي نحو حلٍّ سياسيٍّ شاملٍ، مع شكرها لجهود الوساطة العمانيَّة، والأمم المتَّحدة.
في أواخر العام 2025 م، وبداية العام 2026 م، ومع تصاعد الأحداث الأخيرة، والتطوُّرات التي شهدتها محافظتي حضرموت والمهرة برزت السياسة العمانيَّة بوصفها نموذجًا للاتزان، والرصانة في التعامل مع الأزمات الإقليميَّة المعقَّدة، فقد غلَّبت نهج الحكمة، والدبلوماسيَّة الهادئة مبتعدة عن منطق التصعيد، وردود الفعل المتسرِّعة، وانطلقت المقاربة العمانيَّة من قراءة دقيقة لطبيعة المشهد.
وقد لاقت الحكمة والسياسة العمانيَّة إشادة واسعة من أغلب فئات الشعب، والنخب السياسيَّة اليمنيَّة، وهنا تغريدة لرئيس مجلس الشورى في الحكومة المعترف بها دوليًّا الدكتور أحمد عبيد بن دغر: “الشكر موصول لأشقائنا في سلطنه عمان، فقد تعاطوا مع الأزمة بمسؤوليَّة الأخ، والجار الوفي، فكان لموقفهم أثر طيِّب في نفوس الحضارم والمهريين”.

دور سلطنة عمان الدبلوماسي في الأزمة اليمنيَّة
2015 – 2026 م

اضف تعليقا