ورقة بحثية ضمن الأمسية الثقافية

قراءة في التراث والأدب الحضرمي بين الأصالة والتحديث

د. علي حسن العيدروس

عميد كلية التعليم عن بعد بجامعة سيئون

ومدير عام الإدارة العامة للثقافة والإعلام بالجامعة

19 مارس 2025

مقدمة:

حضرموت بلد غني بتراثه المادي والثقافي، ومن يرد الكتابة عن هذا التراث يجد العديد من المراجع والمصادر أفردت دراسات وافية غير أن عنوان الأمسية يتوجه نحو دراسة هذا التراث من حيث علاقته بالأصالة والتحديث أو المعاصرة. ولأن العنوان واسع المجال فستقتصر الورقة على تناول شق الأدب من هذا التراث، وستقتصر من الأدب على الشعر الفصيح؛ لأن تناول باقي موضوعات العنوان تحتاج إلى وقت طويل في دراستها، لتعدد مجالاتها.

يرى سيرجنت في كتابه نثر وشعر من حضرموت أن الحضارمة يميزون ” بين نوعين من الشعر الحميني والحكمي … ويحافظ الشعر الحكمي على الروي والقافية والقواعد والأسلوب الشعري الخطابي والعبارات الوجدانية والعاطفية للشعر العربي الكلاسيكي كما أنه يعالج مواضيع مألوفة شائعة “[1]. ويرى سيرجنت أن كتاب تاريخ الشعراء الحضرميين يعد بحق معجما لأعلام الشعراء في حضرموت، ويحوي على نماذج شعرية تجري على مفهوم الحضارمة للشعر الحكمي.[2] وقد أخذنا برأي سيرجنت هنا لرفع اللبس فيمن قرأ شعر الحضارمة الفصيح تحت مصطلح الشعر الحكمي؛ ولأن كتاب تاريخ الشعراء الحضرميين أول كتاب عرض وترجم لعدد أكبر من شعراء حضرموت مع نماذج شعرية لهم ليتسنى للقارئ الرجوع إلى هذه النماذج التي تمثل الحركة الشعرية في حضرموت. وبما أن الأصالة والتحديث أو المعاصرة هي مكمن الدراسة لهذا الشعر، فأنه يتوجب على الورقة أن توضح باقتضاب مفهوم الأصالة والمعاصرة؛ لتصبح قراءة النصوص الشعرية للشعراء الحضارم التي ستتناولهم الورقة تصب في مضمون هدف الأمسية.

فحول نشأة المعاصرة أو الحداثة في الشعر يرى الدكتور عبدالعزيز المقالح أن ثمة ثلاث رؤى تفسر المعاصرة أو التحديث؛ رؤية سلفية، ورؤية واقعية، ورؤية فنية، والرؤية الأولى  السلفية نجدها عند الدكتورة عائشة عبد الرحمن التي ترى أن الوجدان المعاصر مشحون بميراث الماضي، ومن يفقد اتصاله بماضي أمته يكون عاجزا عن التعبير عن وجوده الحي، ولا يكتسب صفة المعاصرة في أعماله الأدبية، أما الرؤية الثانية الواقعية  فيرى المقالح أن ممثلها الدكتور زكي نجيب محمود، إذ يرى أن كل ما جاء في دواوين شعرائنا المعاصرين  سواء من يجري منهم على سنة العرف، ومن يخرج عن تلك السنة هم على حد سواء؛ لأنهم يعبرون عن روح العصر حتى أشدهم التزاما  للقديم أو أشدهم انقطاعا عنه، أما الرؤية الثالثة الفنية فيرى المقالح أن الدكتور عز الدين إسماعيل هو من يمثلها، وقد أجملها في سبع نقاط رئيسة أهمها:

جماليات الشعر وارتباطه بقضايا عصره، وانعكاس ثقافة الشاعر، والخبرات الجماعية، واستيعاب التاريخ من منظور عصري، وارتباطه بالتاريخ طوليا وعرضيا بمعنى أن يجمع بين خبرات الماضي والحاضر، وتناول مواضيعه الشعرية بخبرات فنية معاصرة وجديدة، وارتباطه بالإطار الحضاري العصري اجتماعيا وثقافيا وسياسيا[3].  وواضح أن المقالح في كتابه هذا يميل إلى الرؤية الثالثة؛ كونها من وجهة نظره تجمع بين الرؤى الثلاث[4]، ونراه محقا في ذلك؛ لأن المعاصرة والحداثة لا تعني القطيعة مع الماضي، كما لا تعني القطيعة مع الحاضر والجدة فيه؛ لأن التطور ظاهرة حتمية في كل شي بما فيها الشعر والأدب بشكل عام. وبذلك ستتبنى الورقة الرؤية الثالثة في دراسة الشعر في حضرموت من حيث أصالته ومعاصرته، وستحاول الدراسة تطبيق هذه الرؤية على عدد من الشعراء الحضارم المعاصرين ممن ذكرهم السقاف في كتابه تاريخ الشعراء الحضرميين، أو ممن ذكرهم عبدالقادر الصبان في كتابة الحركة الأدبية في حضرموت، وخصص زمنهم بالقرن الرابع عشر الهجري[5]، أو ممن ذكرهم الدكتور أحمد باحارثة في كتابه أدوار الأدب الحضرمي، أو ممن ذكرهم علي بارجاء في كتابه في تاريخ الأدب والتراث الشعبي، أو من الدواوين المعاصرة للشعراء الحضارم أنفسهم، ومن الدراسات المعاصرة والحديثة لنصوص شعراء حضرموت المعاصرين .

وستختار الورقة ثلاثة من شعراء النصف الأول من القرن العشرين، وستطبق عليهم معايير الأصالة والمعاصرة وفق المفهوم الذي تبنته هنا، وستكتفي بنص واحد لكل شاعر؛ لمحدودية المساحة والزمن، وتأمل أن تستكمل القراءة في وقت لاحق لثلاثة شعراء آخرين من النصف الثاني من القرن نفسه. وستوزع الورقة قراءتها على مبحثين هما:

  • مظاهر الأصالة عند شعراء النصف الأول من القرن العشرين: (صالح الحامد، علي باكثير، أبوبكر بن شهاب).
  • مظاهر المعاصرة عند شعراء النصف الأول من القرن العشرين: (الشعراء الثلاثة نفسهم).

وستشتغل على المنهج الوصفي التحليلي في استجلاء النصوص، وعلاقتها بالأصالة والمعاصرة؛ لتقف على أبرز النتائج لذلك. ثم تشفع الدراسة بعدد من النتائج والتوصيات من واقع القراءة.

المبحث الأول: الأصالة عند شعراء النصف الأول من القرن العشرين:

(صالح الحامد، علي أحمد باكثير، أبوبكر بن شهاب).

المحافظة على الأسلوب والقواعد الشعرية الأصيلة:

عند علي باكثير نجده يقول في قصيدة له، معبرا عن رأيه في الأمة العربية بأسلوب، ولغة تكاد تتناص مع شعر أبي تمام في بحرها، وألفاظها، وموسيقاها.

أرنو إلى يعرب والدهر يعرضــــــها  **  رواية الــــــبؤس بعد العـــز والنعــم

تقاسمتها شعوب الأرض تدفعهــــا  **  إلى المــــهالك سوق الشــاء والنعم

وأرمق الدين والأعـــداء توسعـــــــه  **  فتكا يضاف إلى أدوائه القســـــــــم

وارجع الطرف في الأحــــــقاف غارقة ** في الجهل فوضى بلا عـــدل ولا نظم

ياليت شعري أللعلياء من سبــــــــــب  ** ألفيه يقذفني منها إلى القــــــــــمم

خمس وعشرون لم أدرك بها غـــرضا ** مرت علي مــــــرور الطيف في الحلم

إن الشـــــــــــــباب براق المجد يركبه ** إليه كل فتى شيحـــــــــــان معتزم[6]

فالكلمات: “العز والنعم، الشاء والنعم، ارجع الطرف، يا ليت شعري”، ألفاظ كثر دورانها في الشعر القديم، أما روي وقافية القصيدة وبحرها البسيط فهي تدور كثيرا عند أبي تمام والمتنبي، وتكاد تنقلنا القصيدة في تناصاتها غير المباشرة إلى قصيدة فتح عمورية لأبي تمام، بل إن جو القصيدة في تراكيبها الشعرية فيه استنهاض لأيام مشرقة من الزمن الأصيل حين كان للعرب قوتهم، أما الدلالة الرقمية للعد خمس وعشرين، فهي تتناص تماما مع قول أبي تمام (سبعون ألفا كآساد الشرى) دلالة كثرة لا قيمة لها عند الشاعرين. هكذا يتمسك باكثير بأصول القصيدة العربية، فيعهد ازدهارها إيمانا منه بقيمة الأصالة في المنهج الشعري.

وعند الشاعر أبي بكر بن شهاب نجد هذه المظاهر تتجلى في هذه الأبيات من قصيدته بشراك هذا يقول:

بشراك هذا منار الحــي ترمقـــه ** وهذه دور مــــــن تهواه وتعشقه

وهذه الروضة الغناء مهـــديـــة ** مع النسيم شــــــذا الأحباب تنشقه

وتلك أعلامهم للـــعين باديـــــــة ** تزهو بها بهـــــجة النادي ورونقه

فحي سكان ذاك الحي إن شهدت ** عيناك ســــرب الغواني حين يطرقه

واخلع بها النعل والثم تربة عبقـت ** بالمسك لما مشى فيها مقرطقه[7]

فالكلمات: “منار الحي، دور من تهوى، تلك أعلامهم، سرب الغواني، واخلع بها النعل، والثم تربة” كلها ألفاظ تدور في عيون الشعر العربي، أما الروي والقافية فإن موسيقاها السلسة تتناسب مع البحر البسيط الكثير دورانه في شعر العرب، أما تعبير “واخلع بها النعل” كأننا نقف مع المعري حين يقول: “خفف الوطء”، أو قوله: “سر إن استطعت في الهواء رويدا”، وهذا يدخل عند الشاعرين في احترام الأرض، والمكان مع اختلاف الغرضين عند الشاعرين، وأما تعبير سرب الغواني يتناص مع الشاعر الجاهلي الذي يقول: “فعن لنا سرب”، أو قول الشاعر: “أسرب القطا”.

هكذا يدأب شعراء حضرموت على صناعة قصائدهم محصنة باللغة، والأساليب، والموسيقا الأصيلة في الشعر العربي الأصيل، وهو تعبير عن مدى ثقافتهم، وإحاطتهم بأصول صناعة الشعر عند العرب، ولا يعني هذا أنهم رافضون التحديث، فنجد في القصائد نفسها المظاهر، والملامح التحديثية، والمعاصرة في المبحث التالي.

أما الشاعر صالح الحامد فنستطيع استجلاء المظاهر، والملامح لأصالة الشعر العربي عنده في قصيدة الشاي التي يقول فيها:

روّق لها ماء الغمام وهاتـــــها **  لي والحباب يدور في وجـــناتها

صهباء ماعبثت بها يد عاصــــر ** ما عاشرت إلا أكف سقــــــــاتها

من جيد الشاي استحال عصيرها ** فأتت تحاكي الشهب في جاماتها

قد راق منظرها ورقّ زجاجهـــا ** فلعلة لم يدهقوا كاســــــــاتها

لولا انتصاف الكأس خيل أنهــــا ** في كف ساقيها تــــقوم بذاتها

يا ساعة مرّت كلمحة بــــــــارق ** ذاقت بها نفسي نعيم حـــــياتها

عاطيت فيها الكأس خوذا كاعبا ** ماء الشباب يدور في وجـــــناتها

فتمايل الأغصان في أعـــطافها ** وشمائل الصهباء في لحـــظاتها

جاءت إليّ وخدها متـــــــــــورد ** جزعا لخوف رقيبهــــــا ووشاتها

فالكلمات: “روق ، ماء الغمام، صهباء، سقاتها، الشهب، جاماتها ، راق، رقّ، كف ساقيها، لمحة بارق، خوذا كاعبا، لحظاتها، خدها متورد، جزعا، خوف رقيبها، وشاتها”، إن المتأمل في هذه الكلمات  يجدها شائعة في شعر فحول الشعر العربي، كأبي نواس، وامرئ القيس، وعمر بن أبي ربيعة، وغيرهم، واستخدام الشاعر لروي وقافية شائعة عند العرب، فضلا عن استخدامه البحر الكامل ذي الموسيقا الانسيابية الكثير الدوران في الشعر العربي تأكيد منه على تمسكه بأصالة القصيدة العربية، وبنيتها، والأبيات محملة بالتناصات المباشرة، وغير المباشرة مع عدد من شعراء العرب الفطاحل تصويريا ولغويا وموسيقيا ودلاليا،  فهي تقترب كثيرا من لغة شعر أبي نواس، وعمر بن أبي ربيعة، وأمرئ القيس.

فمثلا قوله: “روق لها ماء الغمام وهاتها”، كأننا بأبي نواس إذْ يقول: “روق الخمر صرفا وأدر، واسقنيها في الظلام المعتكر”، أما قوله: “صهباء ما عبثت بها يد عاصر”، فكأننا بأبي نواس يقول: “صفراء تفرق ما بين الروح والجسد”، وأما قوله: “وشمائل الصهباء في لحظاتها”، يذكرنا بقول الشاعر: “وحسام لحظك قاطع في غمده”، غير أن تأثير حدة اللحظ عند الحامد يكمن في احتوائه على شمائل الخمر، فالبتر والقتل موجود عند الشاعرين، لكن موقع تأثيرهما مختلف. أما قوله: “جزعا لخوف رقيبها ووشاتها”، فقد كثر هذا الاستخدام عند العرب في شعرهم، إذْ يقول شاعرهم:

كلف بغزال ذي هيف ** خوف الواشين يشرده

ويقول عمر بن أبي ربيعه:

إذا جئت فامنح طرف عينيك غيرنا ** لكي يحسبو أن الهوى حيث تنظر

جميعهم عبروا عن خوف الحبيبين من الوشاة والرقبا، لكن تباينوا في رسم الصورة الشعرية، هكذا تتجلى مظاهر التمسك بالأصالة عند الحامد في شعره، وهكذا ترتسم القصيدة عند شعراء حضرموت معبرة عن ثقافة شعرية أصيلة، لم تمنعهم هذه الثقافة من التوافق مع التحديث المعاصر للقصيدة في جوانب معينة، كما سنعرفها هنا في المبحث التالي، فما هي مظاهر، وملامح المعاصرة، والتجديد في النماذج الشعرية التي أوردناها هنا لهؤلاء الشعراء الحضارم الثلاثة.

المبحث الثاني مظاهر المعاصرة والتحديث عند الشعراء الثلاثة

التجديد والمعاصرة في اللغة والغرض والصورة

من الكلمات المعاصرة والحديثة التي استخدمها الشاعر علي باكثير في قصيدته موضع الدراسة (أرنو، يعرب، تقاسمتها، أرمق، الأحقاف، فوضى، رواية، الشباب)، وقد أورد باكثير كل هذه الألفاظ في عبارات وأساليب تواكب موضوعات العصر الذي ينتمي إليه انطلاقا من اهتمامه بقضاياه، وأن الشعر مستوعب لمضامين هذه القضايا.

فمثلا نراه يقول: أرنو إلى يعرب والدهر يعرضها ** رواية البؤس…

فالعرب صاروا قضية من قضايا العصر، بل هم في معرض رواية للبؤس، تتقاسمهم الشعوب من شدة ضعفهم وتفرقهم، ولم تكن يوما العرب في القدم قضية، بل كانوا قوة قابضة تغنى الشعراء بمجد قادتهم، ولم يكن باكثير وحده من اتخذ قضية العروبة مادة لشعره، بل جل الشعراء المحدثين بين معاتبين ومتحسرين وناصحين وذامين، ويقول باكثير في توصيف القضية العربية:

تقاسمتها شعوب الأرض تدفعها ** إلى المهالك سوق الشاء والنعم

وأرمق الدين والأعــــــداء توسعه ** فتكــــا يضاف إلى أدوائه القسم

العرب كانوا يقتسمون الشعوب، أما حالهم في هذا العصر، فصار عكسا تماما، والدين الذي كان عصمة أهله اليوم صار في براثن الأعداء يوسعونه فتكا، إنه يحمل قضايا عصره بأسلوب عصري، وصور بلغية عصرية، وهاهم الشباب الرمز العصري للبناء، والمجد في حالة ندية خاملة لا يعول عليهم في صناعة مجدهم التاريخي المسلوب (ويح الشباب، وقد ندت أوائله)، (إن الشباب براق المجد)، ويتحدث عن جهل وفوضى تعم أرض الأحقاف، فتغرقها مصورا واقعا معاصرا بأسلوب لا يشبه أساليب الشعر في الماضي:

(وارجع الطرف في الأحقاف غارقة  ** في الجهل فوضى … )، هكذا يعبر باكثير عن قضايا عصره في نص يمزج فيه تمسكه بأصالة الأسلوب، وعصريته لغة وغرضا وصورة.

أما ابن شهاب فيستخدم كلمات عصرية مثل: (بشراك، منار، الغناء، الأحباب، للعين بادية، رونق، فحي سكان الحي، النعل، مشى).

وهو في نصه يتحدث عن وصفه، ومدحه لمدينة عصرية هي تريم الغناء، وما يتوجب على من يطأها، ويدخلها من تقديس، واحترام للمكان لما فيه من رفعة علمية، وكأنما هي هدية عبقة بكل تفاصيلها من هدايا السماء:

وهذه الروضة الغناء مهدية

وتلك أعلامهم للعين بادية

فحي سكان ذاك الحي

واخلع به النعل والثم تربة عبقت ** بالمسك لما مشى فيها مقرطقه

ومقرطقه تعني لباسه وزينته من اللبس، هذا المدح، والوصف لمدينة تريم استخدم فيه ابن شهاب أسلوب عصري كما رأينا في الأبيات المذكورة آنفا، وفي الوقت نفسه حافظ على سمة الأصالة في القصيدة كما وضحنا قبل ذلك، وهو ما يؤكد ثقافة الشاعر المبنية على استلهام النص التراثي في لغته وغرضه وصوره، مع حضور ثقافته العصرية، وأساليها في الشعر، فالروضة الغناء المهدية، وخلع النعل، ولثم التربة، وتحية سكان الحي، والمشي بالمقرطق، كلها أساليب عصرية في لغتها وموضوعها وصورها الفنية.

أما الحامد فنجد الكلمات (جيد الشاي، عصيرها، انتصاف الكأس، تقوم بذاتها، ساعة، ماء الشباب، تنازعني) ذات استخدام معاصر؛ فمنها ما يتماشى مع سياق الغرض المعاصر الذي بنيت عليه القصيدة، وهو شراب الشاي الذي يتقاطع مع شراب الخمر في اللون، ووضع الكأس والحباب الناتج من تحريك الشراب الملاعق، وفي النداما في جلسته يقول:

من جيد الشاي استحال عصيرها

لولا انتصاف الكأس خيل أنه

ومنها ما يرتبط بتأثر شراب الشاي في جلسته الحميمية مع النداما نحو:

يا ساعة مرت كلمحة بارق

في كف ساقيها تقوم بذاتها

ومنها ما يتعلق بوصف النديم نحو:

ماء الشباب يجول في وجناتها

وشمائل الصهباء في لحظاتها

طورا تنازعني الحديث وتنثني

كلها استخدامات تخدم سياق الغرض المعاصر الذي يفرق بين جلسة الخمر في القديم، وجلسة الشاي المعاصرة، وهو تشابه، وتقاطع يمزج بين الأصالة والمعاصرة في التعبير والأسلوب؛ لإنتاج دلالات مغايرة عصرية أبرزها انتفاء الآثام والمحرمات في الجلسات المعاصرة، كما أن عصير الشاي غير عصير الخمر، وطرق تحضيرهما مختلفة تماما. وانتصاف الكاس في شراب الشاي مزية حديثة ومعاصرة، ودلالتها غير دلالة مقياس الخمر في الكاسات، إذ يكون في الدلالة المعاصرة شراكة بين الساقي، والشارب مضمونها تكامل اللون الذي لم يطرق إليه شعراء الخمر من سابق، وإما وصف اللحاظ باحتوائها شمائل الخمر فهو معنى معاصر وحداثي صرف ربما تفرد به الحامد، إذْ أن اللحاظ عند الشعراء القدماء قاتلة بينما عند الحامد مسكرة، وأما منازعة النديم الحديث، والانثناء للمعاتبة فهي صورة حداثية ومعاصرة خالية من المعاصي التي تتولد من منازعة الحديث، والتثني في جلسات الخمر النديمية، فالانثناء غير تثني الغنج ، ومع هذا كله كما رأينا سابقا حافظ الحامد على اللغة الأصيلة في الشعر والوزن والقافية والصور البلاغية في البناء الشعري للقصيدة العربية المر الذي يؤكد امتداد ثقافة الشاعر مع الأصالة الشعرية.

الخاتمة والنتائج والتوصيات:

تعد مرحلة القرن الرابع عشر الهجري، أو النصف الأول من القرن العشرين مرحلة محك للشعراء العرب، ليس في حضرموت فحسب، بل في كل الوطن العربي، مرحلة تكشف عن مدى علاقة الشاعر في حضرموت خاصة بالأصالة والمعاصرة، وأي الرؤى الثلاث التي ذكرها المقالح هيمنت عليهم، ويمكننا أن نستشف من هذه القراءة في هذه الورقة النتائج الآتية:

  • أن الشعراء الحضارم في النصف الأول من القرن العشرين جسدوا الرؤية الثالثة، وهي الرؤية الفنية التي تخدم القصيدة المعاصرة بأدوات معاصرة، لكن دون قطيعة مع الماضي.
  • أن امتزاج ثقافة الماضي بثقافة المعاصرة بارز في نصوصهم؛ مما يعني أنهم أنتجوا شعرا يجمع بين الأصالة والمعاصرة لغة وغرضا وصورة.
  • أن البنية الموسيقية الأصيلة في الشعر مهيمنة على نصوصهم، ولم يستطيعوا الخروج عنها على نحو ما خرج شعراء النصف الثاني من القرن نفسه، وهو ما يتوجب دراسته لوكان الوقت كافيا، فشعراء أمثال سالم زين باحميد، وعبد القادر الصبان، وعلي بارجاء، وعبدالقادر باعيسى، وجنيد الجنيد، قد تمكنوا من التمرد على الصورة التقليدية لموسيقا الشعر العربي، ويبقى السؤال الذي نعدُّه توصية لهذه الورقة، ما مدى الأصالة والمعاصرة عندهم؟ وماهي رؤيتهم لصناعة الشعر؟ وهل للرؤى الثلاث التي عرضنا لها في بداية البحث صدى لديهم؟ أو أن رؤى أخرى تخلقت، أو أن ثمة تطور مفهومي لهذه الرؤى، ليبقى حكم سارجنت عن الشعر الحكمي في حضرموت حكم قاصر عن الدراسة.

 

[1] ص 41، ط1، 2014، ثقافة للنشر والتوزيع، دبي

[2] نفسه، ص 41

[3] ينظر الشعر المعاصر في اليمن، عبدالعزيز المقالح، ص 40-43، ط2، 1978م، دار العودة بيروت

[4] ينظر نفسه، 43 وما بعدها

[5] ينظر الحركة الأدبية في حضرموت، عبدالقادر الصبان، ص 117 -180، مرجع سابق

[6] ينظر الحركة الأدبية في حضرموت، عبدالقادر الصبان، ص166، الأبيات بتصرف، ط1، مكتب وزارة الثقافة اليمن 2001م

[7] موقع الشعر العربي

جانب من بيوت شيام القديمة

مركز مداد حضرموت