( قراءة تحليليَّة )

محمّـــد حديجان

باحـــث اقتصادي

مقدمة

عاش الشعب اليمني خلال العقد الأخير صدمات اقتصاديَّة، وتقلُّبات العملة التي أثقلت كاهله بالجوع والفقر، لكنَّ ما حدث مؤخَّرًا كان مختلفًا؛ إذْ شهد الريال اليمني ارتفاعًا مفاجئًا بنسبة قاربت 44% خلال أسبوع واحد من عام 2025م؛ لينخفض سعر صرف الدولار من 2900 ريال إلى حدود 1600 ريال، وفقًا لما رصدته الجزيرة نت[1].هذا التحسُّن “الفني” أثار تساؤلات مشروعة حول ديمومة هذه الإجراءات، وهل هي نابعة من خطَّة مدروسة، أم مجرَّد فقَّاعة مؤقَّتة؟

ورغم التفاؤل الأوَّلي، إلاَّ أنَّ هذه الإصلاحات الاقتصاديَّة سرعان ما تشابكت مع تعقيدات المشهد السياسي، والعسكري المتفجِّر. فبينما كان البنك المركزي يرتِّب أوراقه، شنَّت قوَّات المجلس الانتقالي هجومًا واسعًا للسيطرة على محافظتي حضرموت، والمهرة. ولم يتوقَّف المشهد هنا، بل تسارعت التطوُّرات؛ لتعكس تعقيد الموقف بتدخُّل سعودي مباشر تضمن قصفًا للميناء، بالتزامن مع مطالبات للإمارات بمغادرة الأراضي اليمنيَّة، وسيطرت القوَّات الحكوميَّة الشرعيَّة “درع الوطن، وقوَّات الطوارئ” على مجمل محافظات الجنوب.

في ضوء هذه القراءة التحليليَّة نحاول تفكيك هذا المشهد المعقَّد؛ بدءًا باستعراض حزمة الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي، مرورًا بكشف الدوافع الحقيقيَّة التي وقفت خلفها، ووصولًا إلى تحليل المتغيِّرات السياسيَّة، والعسكريَّة الطارئة في المحافظات الشرقيَّة، وكيف أثَّرت هذه التحوُّلات الدراماتيكيَّة على مسار الإصلاحات الاقتصاديَّة ورسمت سيناريوهات جديدة للمستقبل.

الترسانة النقديَّة: ما هي الإجراءات المتَّخذة؟

​للوصول إلى هذا التحسُّن، اتخذ البنك المركزي في عدن، بالتنسيق مع مجلس القيادة الرئاسي، حزمة من الإجراءات المتزامنة:

​1. السياسات النقديَّة المكثَّفة:

قام البنك المركزي بإجراءات لسحب السيولة الفائضة من العملة المحليَّة باستخدام المزادات؛ إذْ امتصَّ ما يقارب 2.94 ترليون ريال من السوق. وفي موازاة ذلك، رفع العوائد على الودائع بالعملة المحليَّة إلى 15% وأذونات الدين المحلِّي بخصم 18% تقريبًا، وفقًا للبنك المركزي، ممَّا جعل الاحتفاظ بالريال اليمني أكثر جاذبيَّة.[2]

​2. تنظيم تمويل الاستيراد

عبر “اللجنة الوطنيَّة لتنظيم، وتمويل الاستيراد” (قرار رئيس الوزراء رقم 9 للعام 2025)، فرض البنك رقابة صارمة على استهلاك العملة الأجنبيَّة.[3] لم يعد بإمكان التجَّار الحصول على تمويل إلاَّ لوثائق استيراد مؤكَّدة، ولائحة سلع أساسيَّة محدَّدة، ممَّا قلَّل الطلب العشوائي على الدولار، وضبط عمليَّات تهريب العملة.

​3. الرقابة على القطاع المصرفي، والامتثال

أطلق البنك حملة رقابيَّة شاملة، أغلق بموجبها ما يقارب عن سبعين منشأة مصرفيَّة مخالفة منذ يوليو 2025م[4]. جاء هذا التحرُّك كضرورة؛ إذْ ظهرت نتيجة للحرب أعداد كبيرة من محلاَّت الصرافة التي لا تلتزم بمعايير البنك المركزي. هدفت هذه الرقابة إلى منع التلاعب بسعر العملة من قبل المضاربين (الذين يستخدمون استراتيجيَّات كنشر الشائعات)، وإيقاف المنشآت التي تعمل، وتتعاون مع المليشيات الحوثيَّة في غسل الأموال وتهريبها. كان لهذه القرارات، وإلزام الجميع بمعايير الشفافيَّة، والامتثال الدولي، دور في استعادة السيطرة، بالإضافة إلى البدء في تطبيق إجراءات الرقمنة، والمدفوعات الإلكترونيَّة للتحكُّم بالسوق بفعاليَّة أكبر.

​4. قرارات مجلس القيادة (الدولار الجمركي، وتوريد الإيرادات)

جاءت القرارات النقديَّة مدعومة بغطاء سياسي عبر قرار مجلس القيادة رقم 11 للعام 2025م[5]، الذي ألزم جميع الوحدات، والمحافظات بتوريد الإيرادات العامَّة إلى حساب البنك المركزي. والأهم هو قرار “تحرير الدولار الجمركي”، الذي يهدف إلى رفد خزينة الدولة بإيرادات ضائعة، رغم مخاطره المحتملة في رفع تكلفة الاستيراد.

ما وراء الكواليس: كشف الدوافع الحقيقيَّة

​هذه الإجراءات لم تكن عشوائيَّة، بل جاءت مدفوعة بشبكة معقَّدة من الدوافع المتشابكة. فمنذ انقسام المشهد السياسي في 2015م، ظهر الصراع الاقتصادي جليًّا، بدءًا بطباعة عملات جديدة من قبل الشرعيَّة، ومنعها من قبل الحوثيِّين. جاءت الإجراءات الأخيرة جزءًا من محاولة “خنق” اقتصاد الحوثيِّين بمنع تهريب العملة لمناطقهم، ممَّا يدلُّ على قرارٍ سياسيٍّ بتنفيذ إصلاحات اقتصاديَّة حقيقيَّة.

يبدو أنَّ هذا التوجَّه لا يغرِّد منفردًا، بل يحظى بظهير إقليميٍّ قويٍّ، وتحديدًا من المملكة العربيَّة السعوديَّة. وتجلَّى هذا الزخم في اللقاءات المكثَّفة التي جمعت القيادة اليمنيَّة بالسفير السعودي، والتي تُرجمت عمليًّا – وفقًا لبيانات البرنامج السعودي لتنمية، وإعمار اليمن – إلى دعم مباشر للموازنة العامَّة بمبلغ 1.380 مليار ريال، بالتزامن مع تدشين حزمة مشاريع، ومبادرات تنمويَّة بقيمة 1.9 مليار ريال[6] شملت كافَّة القطاعات الأساسيَّة؛ وهي أرقام تشير بوضوح إلى تحوُّل نوعي في الموقف الإقليمي نحو الانتقال من الإغاثة إلى تعزيز مؤسَّسات الدولة.

وهذا الدعم يختلف عن السابق؛ إذْ تدخَّل المجلس الرئاسي في الماضي؛ لإيقاف إجراءات مماثلة لمحافظ البنك المركزي (المعقبي)، ممَّا يدل على أنَّ الدعم الحالي هو ضوء أخضر سياسي؛ لخنق الحوثيِّين اقتصاديًّا كأداة ضغط. كما لا يمكن إغفال الدافع الاجتماعي، فالقيادة السياسيَّة كانت تحت ضغط السخط الشعبي الهائل جرَّاء تدهور المعيشة، وكانت هذه الإجراءات ضروريَّة؛ لامتصاص جزء من هذا الغضب.

​اقتصاديًّا، كان الوضع في أسوأ حالاته. فمع مؤشِّرات تضخُّم بلغت 30% في عام 2024م، وانكماش حادٍّ في الناتج القومي بمقدار 27% خلال عشر سنوات، وفقًا للبنك الدولي[7]، ومع عجز الحكومة عن صرف الرواتب لحوالي أربعة أشهر سابقة، وفقًا للعربي الجديد [8]، كان لا بدَّ من إجراء جراحي. هدفت الإجراءات؛ لمعالجة العجز الحاد في ميزان المدفوعات الناتج عن توقِّف تصدير النفط (المصدر الأوَّل للعملة الصعبة) منذ مطلع 2022م بعد ضرب الحوثيِّين لموانئ تصدير النفط في حضرموت، وشبوة شرق اليمن، ومحاولة استعادة السيطرة على الكتلة النقديَّة من السوق السوداء.

يعتبر “الواقع الدولي” هو المحرِّك الأبرز. فمع اشتعال جبهة البحر الأحمر بعد “طوفان الأقصى”، جاء قرار إعادة تصنيف الحوثيِّين منظمة إرهابيَّة من قبل الإدارة الأمريكيَّة. هذا التصنيف يقتضي بتجميد الحسابات، والأهم من ذلك يفرض ضغطًا هائلًا على الحكومة الشرعيَّة؛ لتشديد الرقابة على البنوك، والمصارف. وقد جاءت هذه الإجراءات استجابة مباشرة لهذا الضغط؛ لقطع آليات غسل الأموال؛ إذْ كشفت التقارير أنَّ الجماعة كانت ترسل المبالغ عبر حسابات في مصارف الشرعيَّة تحت غطاء “استيراد السلع”، بينما هي في الأصل “تمويل” للجماعة. كما كان بعض التجَّار يطلبون تمويلًا بالعملة الأجنبيَّة من بنك عدن (للاستيراد)، ثمَّ يقومون ببيعها سرًّا في مناطق الحوثيِّين؛ لتحقيق أرباح من فرق سعر الصرف، وهو ما يُعد تهريبًا غير مباشر للعملة؛ لذلك، فإنَّ الإجراءات الجديدة (كلجنة تنظيم الاستيراد، والرقابة على البنوك) تهدف مباشرة إلى تجفيف هذه المنابع، وهو ما أكَّد عليه تقرير لجنة الخبراء الدوليِّين.

يتجلَّى الموقف الدولي الداعم للإصلاحات في تحرُّكات ملموسة تجاوزت مجرَّد التصريحات. فقد برز دعم الخزانة الأمريكيَّة بوضوح خلال اجتماعها الاستثنائي مع البنوك اليمنيَّة في الرياض، وهو ما يمثِّل رسالة طمأنة، وحماية للقطاع المصرفي الخاضع للشرعيَّة. وبالتوازي مع ذلك، تعزَّز هذا الغطاء الدولي عبر سلسلة من اللقاءات المكثَّفة، والمستمرة مع المؤسَّسات الماليَّة الكبرى، وتحديدًا صندوق النقد، والبنك الدوليَّين، ممَّا يعكس إجماعًا دوليًّا من المؤسَّسات المانحة، والرقابيَّة على ضرورة إنجاح مسار الإصلاحات النقديَّة في عدن.

أحداث حضرموت والمهرة: كيف أطاحت السياسة بالحسابات الفنيَّة ؟

كانت الأحداث المتسارعة في محافظتي حضرموت، والمهرة بمثابة “اختبار وجودي” للإصلاحات الاقتصاديَّة؛ ففي البداية، مثَّلت سيطرة المجلس الانتقالي على المحافظتين، ووضع اليد على شركة “بترومسيلة” ضربة قاصمة لجهود الإصلاحات، وتحدِّيًا لمضامين القرار رقم 11 لعام 2025م. هذا القرار كان حجر الزاوية في خطَّة الإصلاحات الاقتصاديَّة؛ إذْ نصَّ صراحةً على حصر توريد كافَّة الإيرادات العامَّة، ومبيعات النفط إلى حسابات البنك المركزي، ومنع أيّ جبايات خارج إطار القانون, عمليًّا كان خروج هذه الموارد عن السيطرة يعني “الموت السريري” لسلطة الدولة، وشلّ قدرة البنك المركزي كليًّا على التدخل في سوق الصرف، ممَّا كان ينذر بانقطاع الرواتب، وتفاقم العجز الحكومي إلى مستويات كارثيَّة. غير أنَّ المشهد انقلب رأسًا على عقب في اللحظات الأخيرة؛ إذْ شكّل التدخل السعودي المباشر، المتزامن مع إعلان الإمارات خروجها من المشهد اليمني، وحلِّ المجلس الانتقالي، نقطة تحوُّل استراتيجيَّة. هذا التغيُّر الدراماتيكي وفّر لأول مرَّة الأرضيَّة الصلبة؛ لإنفاذ سلطة القانون، وضمان تدفُّق الإيرادات السياديَّة مجدَّدًا إلى الخزينة العامَّة، ممَّا منح الإصلاحات الاقتصاديَّة قبلة الحياة التي كانت تحتاجها.

في سياق تعزيز بنية الدولة، خطت القيادة السياسيَّة خطوة استراتيجيَّة تمثَّلت في تشكيل الرئيس رشاد العليمي لجنة عسكريَّة عليا؛ لتوحيد كافَّة التشكيلات تحت قيادة موحَّدة، وفقًا لما أوردته وكالة الأنباء اليمنيَّة (سبأ)[9]، بالتزامن مع وعيد صريح من القيادة السياسيَّة بمحاسبة صارمة لأيِّ جبايات خارج إطار القانون. هذا التحوُّل الجذري في الإرادة السياسيَّة لا يهدف فقط لضبط الأمن، بل يحمل بعدًا اقتصاديًّا حاسمًا؛ إذ سيؤدِّي إنهاء “اقتصاد النقاط العسكريَّة” إلى خفض تكاليف النقل التي ألهبت أسعار السلع على المواطن، كما سيغلق مزاريب الفساد التي كانت تبتلع الإيرادات؛ ليعيد توجيه السيولة النقديَّة نحو القنوات الرسميَّة، ممَّا يمنح البنك المركزي قدرة حقيقيَّة على إدارة الكتلة النقديَّة، وكبح التضخُّم.

من بديهيَّات المنطق أنَّ من يسيطر على الأرض، والمؤسَّسات يمسك بزمام إيراداتها؛ لذا شكّلت سلطة الأمر الواقع التي فرضها المجلس الانتقالي سابقًا تحدِّيًا هيكليًّا أمام تدفُّق الموارد العامَّة، بالإضافة لرفض، أو مماطلة سابقة لعدد من المحافظات المحرَّرة توريد إيراداتها إلى البنك المركزي؛ إذْ أشارت تقارير ميدانيَّة، إلى تعثُّر توريد الإيرادات بسبب تنازع الصلاحيات [10]. غير أنَّ المشكلة لم تكن محصورة في الشقِّ السياسيّ فحسب، بل تعمَّقت بفعل هشاشة المنظومة الإداريَّة، واضطراب المصالح، وضعف آليَّات الرقابة الحكوميَّة التي سمحت بتسرُّب الموارد. وعليه، فإنَّ التحوُّل العسكري الأخير، وإنهاء حالة الازدواجيَّة، لم يكن مجرَّد إجراء أمني، بل هو الشرط المسبق؛ لإعادة بناء الإدارة الماليَّة الموحَّدة؛ الأمر الذي سيشكِّل رافعة حقيقيَّة؛ لتعزيز الخزينة العامَّة، وسدِّ العجز، مانحًا البنك المركزي القوَّة اللازمة؛ لردع المضاربات، وإغلاق المنشآت المخالفة، واستعادة القيمة الحقيقيَّة للريال اليمني.

يبقى النجاح الاقتصادي مرهونًا بمدى رسوخ الاستقرار السياسي، ونجاح المباحثات بين المكوِّنات الجنوبيَّة، وأبناء المحافظات الشرقيَّة؛ لترتيب وضع ما بعد “الانتقالي”؛ وهو مسار تعزَّز بدعوة رئيس مجلس القيادة رشاد العليمي، وتلبية المملكة لرعاية الحوار في بيان الخارجيَّة السعوديَّة لعقد مؤتمر حوار شامل مع القوى السياسيَّة، ورسم ملامح المستقبل السياسي. وتتداخل مع هذا المشهد تعقيدات العلاقة مع جماعة الحوثي، والدور الإماراتي غير المباشر؛ إذْ أنَّ أيَّ تعثُّر في التسوية السياسيَّة الشاملة قد يولِّد اضطرابات تعصف بالإصلاحات الماليَّة للحكومة، لا سيما، وأنَّ تشكيل “اللجنة العسكريَّة العليا” يحمل دلالات واضحة على احتماليَّة تجدُّد الصراع العسكري مع الحوثيِّين، ممَّا يهدِّد باستنزاف الموازنة العامَّة المنهكة أصلًا، ونقل المعركة إلى المربَّع الاقتصادي بشكل أكثر حدَّة، وشراسة.

جدار الواقع: تحليل التحدِّيات القادمة

​رغم نجاحها الأوَّلي، تصطدم هذه الإجراءات بجدار من التحدِّيات الهيكليَّة، والسياسيَّة العميقة. يبرز التحدِّي الرئيس في انقسام السياسة المصرفيَّة؛ فوجود بنكين مركزيَّين، وسلطتين نقديَّتين يخلق حالة من الفوضى، وتضارب التوجيهات، ويمنع أيَّ سياسة نقديَّة من أنْ تكون فعَّالة بالكامل على المستوى الوطني. يضاف إلى ذلك، الخلل الهيكلي للاقتصاد. فالمشكلة ليست نقديَّة فقط؛ الاقتصاد اليمني يعتمد على النفط كمصدر رئيس (70% من تمويل الميزانيَّة سابقًا)، وهذا المصدر متوقِّف. والأسوأ، أنَّ الإنفاق العام هو “إنفاق جاري” (رواتب) وليس “رأسماليًّا” (مشاريع). مثَّلت النفقات الجارية 80% من الإجمالي في فترة 2010-2014 مقابل 13% فقط للاستثمار[11]. هذا يعني أنَّ الإجراءات الحاليَّة هي “مسكِّنات” لأزمة تتطلَّب إعادة بناء اقتصادي شامل.

يبقى التحدِّي الجوهري كامنًا في الهشاشة المؤسَّسية التي تفرزها الاضطرابات السياسيَّة، والميدانية؛ إذْ لا يمكن لأيِّ إصلاحات ماليَّة أنْ تتجذَّر في بيئة تفتقر إلى احتكار الدولة للقوة؛ لذا، فإنَّ تحويل المكاسب الحاليَة إلى واقع مستدام يتطلَّب بالضرورة فرض استقرار سياسي، وعسكري صارم يُخضِع كافَّة المؤسَّسات لسلطة القانون، بما يمكِّنها من بسط نفوذها؛ لجمع الموارد دون منازع، فالإصلاح الاقتصادي لا يمكن أنْ ينمو في ظلِّ اختلال أمني.

في العمق، تظلُّ “أزمة الثقة” هي عقبة أمام تعافي الدورة الماليَّة؛ فلا يزال القطاع التجاري، والمغتربون ينظرون بعين الريبة للقطاع المصرفي، مسكونين بهاجس أنَّ التحسُّن الحالي مجرَّد “مسكِّنات مؤقَّتة” تعتمد على الودائع الخارجيَّة لا على موارد مستدامة. وتتفاقم هذه المخاوف مع ضبابيَّة الأفق السياسي؛ إذْ يربط رأس المال استقراره بمدى نجاح حوارات الرياض في إنتاج تسوية سياسيَّة شاملة تقطع الطريق أمام أيّ انتكاسة عسكريَّة محتملة.

إنَّ التحدِّيات الجسيمة المتمثِّلة في توقُّف تصدير النفط، وصعوبة حشد الموارد الماليَّة إلى خزينة البنك المركزي في العاصمة المؤقَّتة عدن تفرض ضرورة تبنِّي مسارات حلٍّ حاسمة، ومتعدِّدة الأبعاد. ففيما يخص عقدة النفط، يرتبط الحل عضويًا بالمسارين السياسي والعسكري؛ فإما أن يتم عبر تفعيل الوساطة الأمميَّة والدوليَّة – استنادًا لمقترحات مجموعة الأزمات الدوليَّة – التي تقضي بتحييد المؤسَّسات السياديَّة، وتجميع إيراداتها في مركز مالي تحت ضامن دولي، بحيث تُسخَّر العائدات؛ لتغطية نفقات عامَّة متَّفق عليها كرواتب الموظَّفين[12]، وإمَّا أنْ يكون المخرج عبر الحسم العسكري بتعزيز الجهود؛ لتحرير صنعاء، وهو خيار يظلُّ مرهونًا بتوفُّر الإرادة السياسيَّة، والقدرة العسكريَّة.

​وعلى صعيد الموارد الماليَّة الداخليَّة، يكمن المخرج في مغادرة الأساليب التقليديَّة، والتوجُّه نحو تعزيز الرقمنة الإلكترونيَّة الشاملة، من خلال ربط إيرادات الضرائب، والمنافذ بأنظمة موحَّدة تخضع لسيطرة، وإشراف البنك المركزي في عدن مباشرة، بالتوازي مع تفعيل القوانين الرقابيَّة، وتطبيقها بصرامة؛ لضمان امتثال كافَّة الأوعية الإيراديَّة.

مستقبل الإصلاحات الاقتصاديَّة، بين التعافي المشروط، والاستقرار الهش

في ضوء تشابك المعطيات السياسيَّة الجديدة، والتطوُّرات الميدانيَّة مع الإجراءات النقديَّة، تتأرجح مآلات الاقتصاد اليمني بين ثلاث مسارات رئيسة:

مسار التعافي المشروط

يفترض هذا السيناريو حدوث طفرة نوعيَّة تتمثَّل في تحسُّن ملحوظ لقيمة الريال، وانحسار موجة الغلاء، مدعومًا بتقدُّم في ملَّفات الرقمنة، والشمول المالي، وتعظيم الإيرادات. إلاَّ أنَّ هذا المسار “المثالي” يبقى رهين شروط تعجيزيَّة في الوقت الراهن، أبرزها: إيجاد بدائل فوريَّة لاستئناف تصدير النفط، فرض سيطرة مركزيَّة صارمة على الموارد السياديَّة، والوصول إلى تسوية سياسيَّة شاملة، واستقرار عسكري طويل الأمد ينهي حالة التشظي.

الاستقرار الهش

تشير قراءة المؤشِّرات الراهنة إلى أنَّ الاقتصاد يتَّجه نحو “منطقة وسطى” تتَّسم بـ ثبات نسبي لقيمة العملة (دون تحسُّن كبير)، مع قدرة حكوميَّة “متوسِّطة” على تحصيل الإيرادات تكفي لتغطية النفقات الحتمية كالرواتب. ولكن سيبقى هذا الاستقرار مشوبًا بارتفاع محدود في الأسعار نتيجة “التضخَّم المستورد” عقب تحرير الدولار الجمركي، واستمرار حالة “الترقُّب القلق” لدى المستثمرين، والتجَّار؛ بسبب استمرار الاضطرابات الأمنيَّة، وغياب الحل السياسي النهائي.

مسار الانهيار

ينذر هذا السيناريو بانتكاسة دراماتيكيَّة تقود إلى انهيار جديد لسعر الصرف، مصحوبًا بموجة تضخُّم حادَّة تعصف بأسعار السلع، والخدمات. محرِّكات هذا السيناريو لا تقتصر فقط على احتماليَّة فشل الإجراءات النقديَّة الحاليَّة، بل ترتبط بشكل وثيق بالمخاطر العسكريَّة، وتحديدًا احتماليَّة تجدُّد الحرب مع الحوثيِّين، أو توسُّع رقعة الاضطرابات الأمنيَّة الناتجة عن التغيُّرات الأخيرة في هيكل القوى  في المناطق الجنوبيَّة، والشرقيَّة.

​كان ولا يزال اليمني يراقب الخطط الاقتصاديَّة أملًا في تحسُّن معيشته. الإجراءات الأخيرة، بدوافعها المعقَّدة، هي خطوة في الاتجاه الصحيح. لكنَّها تظلّ “أدوات نقديَّة” تحاول حلَّ أزمة جذورها سياسيَّة، وعسكريَّة. إنَّ التحدِّيات الهيكليَّة، وعلى رأسها الانقسام السياسي، والعسكري، أكبر من أنْ تُحلَّ بمزادات العملة. النجاح الحقيقي لن يتحقَّق إلا بإرادة سياسيَّة موحَّدة تفرض سلطة الدولة، وتوحِّد مؤسَّساتها، وتعيد تشغيل عجلة التنمية الاقتصاديَّة.

 

 

[1] استمرار الغلاء يحرم اليمنيِّين فرحة تحسُّن سعر العملة.

 [2]اجراءات البنك المركزي اليمني.. المعالجات والأثر الاقتصادي، وكيفيَّة الصمود؟

[3] قرار رئيس الوزراء بشأن تشكيل لجنة تنظيم الواردات.

[4] البنك المركزي يُغلق شركات، ومنشآت صرافة مخالفة.

[5] قرار مجلس القيادة رقم 11 لتطبيق خطَّة الإصلاحات.

[6] رئيس الوزراء يستقبل السفير السعودي.

[7] البيان الختامي لخبراء البنك الدولي.

 [8] موظفو اليمن بلا رواتب للشهر الرابع.
[9]  قرار جمهوري بتشكيل اللجنة العسكرية والأمنية العليا.
[10]صراع الإيرادات يعمّق أزمة المجلس الرئاسي وسط انهيار اقتصادي.

[11] إعادة هيكلة المالية العامة في اليمن – مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية.

 [12]  الصراع الاقتصادي في اليمن.

مركز مداد حضرموت

تعافي الريال اليمني على المحكِّ “مستقبل الإصلاحات الاقتصاديَّة في ضوء المتغيِّرات السياسيَّة”

لتحميل الورقة أنقر هنا