نحـــــــو شـــــراكة فاعــــلة بين الحكــــومة والمجتمـــــــــع المـــــــدني
فرص بناء شراكات لتعزيز الشفافية والنزاهة ومكافحة الفساد في اليمن
ورقة تحليلية
إعداد/ د. علي يحيى عبد الله الأسد
أستاذ العلوم السِّياسيَّة المساعد بجامعة صنعاء
رئيــــس مـــــركز اليمــــــن والخليــــج للدِّراسات
اصدار مركز مداد حضرموت للأبحــــاث والدراسـات الاستراتيجية
بالشراكة : مع المــؤسسة الإنســــــانية للتنميـــة الديمقراطية
و مـــــــــــركز اليمـــــــــــــن والخليــــــــــج للــــــــــــــــدراسات
يوليو 2026
المحتويات
المحور الرَّابع: خارطة طريق لبناء شراكة مؤسَّسيَّة مستدامة بين الحكومة، والمجتمع المدني.
حين نتحدَّث اليوم عن المشهد اليمني، فإنَّنا لا نتحدَّث عن دولة تعمل في ظروف طبيعيَّة، بل عن مؤسَّسات أرهقتها سنوات الحرب، والانقسام، واستنزفت قدراتها الإداريَّة، والماليَّة، في ظلِّ موارد شحيحة، وتراجع في جودة الخدمات العامَّة، وتآكل متزايد في ثقة المواطنين بالمؤسَّسات الرَّسميَّة. وفي هذا السِّياق، لم يعد الفساد مجرَّد تجاوزات إداريَّة، أو مخالفات ماليَّة، بل أصبح أحد أبرز العوامل التي تعيق التَّعافي، وتضعف قدرة الدُّولة على أداء وظائفها الأساسيَّة، وتحدُّ من فرص التنمية والاستقرار.
لقد أسهمت حالة الانقسام المؤسَّسي، وضعف منظومة المساءلة، وتداخل المصالح، في ترسيخ بيئة سمحت باستمرار مظاهر الفساد في قطاعات حيويَّة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين، من خلال تراجع الخدمات الأساسيَّة، وضعف كفاءة الإنفاق العام، وارتفاع كلفة الحصول على الخدمات. وبات المواطن اليمني هو المتضرِّر الأوَّل من هذا الواقع، الذي لم يعد يحتمل المزيد من الحلول التَّقليديَّة، أو المعالجات الجزئيَّة.
وفي المقابل، أثبتت التَّجارب الدُّوليَّة أنَّ مكافحة الفساد لا يمكن أنْ تعتمد على الأجهزة الرَّقابيَّة الحكوميَّة وحدها، كما لا تستطيع منظَّمات المجتمع المدني تحقيق أثر مستدام إذا عملت بمعزل عن مؤسَّسات الدُّولة. فالنَّجاحات الحقيقيَّة تحقَّقت عندما تشكَّلت شراكات مؤسَّسيَّة جمعت الحكومة، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، والإعلام، والأوساط الأكاديميَّة في إطار من الشَّفافيَّة، وتبادل المعلومات، والمساءلة، والعمل المشترك.
وفي اليمن، يبرز المجتمع المدني، ولا سيما المنظَّمات الشَّبابيَّة، بوصفه أحد أهم الفاعلين القادرين على الإسهام في تعزيز الحوكمة، ليس فقط من خلال الرَّصد والتَّوثيق، وإنَّما أيضًا عبر تقديم حلول عمليَّة، والمشاركة في تحسين الأداء المؤسَّسي، وتعزيز الرَّقابة المجتمعيَّة، وبناء جسور الثِّقة بين الدُّولة والمواطن. ومن هنا، فإنَّ التَّحدِّي الحقيقي لم يعد يتمثَّل في إثبات وجود الفساد، فذلك أصبح أمرًا معلومًا، وإنَّما في البحث عن آليَّات واقعيَّة لبناء شراكة تجعل مكافحة الفساد مسؤوليَّة مشتركة، وتحوّل الشَّفافيَّة، والنَّزاهة إلى أدوات؛ لتحسين الإدارة العامَّة، وضمان وصول الخدمات للمواطنين.
ومن هذا المنطلق، فإنَّ هذه الورقة لا تدعو إلى المواجهة، أو تبادل الاتَّهامات، ولا تنطلق من منطق الخصومة بين الحكومة، والمجتمع المدني، بل تدعو إلى بناء شراكة استراتيجيَّة تقوم على تكامل الأدوار، وتبادل المسؤوليَّات، بعدّها أحد أهم مداخل تعزيز الحوكمة في اليمن. فالنَّزاهة ليست شعارًا سياسيًّا، والشَّفافيَّة ليست مطلبًا حقوقيًّا فحسب، وإنَّما تمثِّلان شرطًا أساسيًّا لتحسين كفاءة المؤسَّسات، وحماية الموارد العامَّة، واستعادة ثقة المواطنين، وتهيئة البيئة اللازمة للتَّعافي، وبناء الدُّولة. وانطلاقًا من هذه الرُّؤية، تسعى هذه الورقة إلى الإجابة عن التَّساؤل الرئيس الآتي:
كيف يمكن بناء شراكات مؤسَّسيَّة فاعلة بين الحكومة، ومنظَّمات المجتمع المدني في اليمن، بما يعزِّز الشَّفافيَّة، والنَّزاهة، ومكافحة الفساد، في ظلِّ بيئة تتَّسم بالهشاشة، والانقسام المؤسَّسي، ومحدوديَّة الموارد؟ ويتفرَّع عن هذا التَّساؤل عدد من الأسئلة الفرعية:
- ما أبرز الفرص المتاحة لبناء شراكات حقيقيَّة بين الحكومة، والمجتمع المدني في مجال تعزيز النَّزاهة، ومكافحة الفساد؟
- ما الأدوار التي يمكن أنْ تضطلع بها الحكومة، ومنظَّمات المجتمع المدني، والشَّباب، والقطاع الخاص، والمانحون في إنجاح هذه الشَّراكة؟
- ما أبرز التحدِّيات التي تعيق بناء هذه الشَّراكات، وما الآليَّات الواقعيَّة لتجاوزها؟
- كيف يمكن تحويل الشَّراكة من مبادرات مؤقَّتة إلى منظومة مؤسَّسيَّة مستدامة تسهم في تحسين الحوكمة، وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسَّسات الدُّولة؟
- ما أبرز الدُّروس التي يمكن لليمن الاستفادة منها من التَّجارب الدُّوليَّة في بناء شراكات فعَّالة بين الحكومة، والمجتمع المدني؛ لتعزيز النَّزاهة، ومكافحة الفساد؟
وتنطلق الورقة من فرضيَّة أساسيَّة مفادها أنَّ مكافحة الفساد في اليمن لن تتحقَّق عبر الرَّقابة التَّقليديَّة وحدها، بل من خلال بناء شراكات مؤسَّسيَّة قائمة على الثِّقة، وتكامل الأدوار، والمساءلة المشتركة، بما يجعل النَّزاهة ركيزةً لإعادة بناء الدُّولة، وتحسين حياة المواطنين.
المحور الأوَّل: فرص الشَّراكة بين الحكومة، والمجتمع المدني لتعزيز الشَّفافيَّة، والنَّزاهة، ومكافحة الفساد
تمثل الشَّراكة بين الحكومة، ومنظَّمات المجتمع المدني أحد أهم المداخل الحديثة لتعزيز الحوكمة الرَّشيدة، والحدِّ من الفساد؛ لكونها تقوم على تقاسم المسؤوليَّة بين الدُّولة، والمجتمع في حماية المال العام، وتعزيز الشَّفافيَّة، وترسيخ مبادئ المساءلة. وفي السِّياق اليمني، تزداد أهميَّة هذه الشَّراكة في ظلِّ الانقسام المؤسَّسي، وضعف القدرات الرَّقابيَّة، وتراجع الثِّقة بين المواطن والمؤسَّسات العامَّة، الأمر الذي يجعل من المجتمع المدني شريكًا ضروريًّا في جهود الوقاية من الفساد، والكشف عنه، وليس مجرَّد مراقب خارجي.
ولا تنطلق هذه الشَّراكة من اعتبارات سياسيَّة، أو طوعيَّة فحسب، بل تستند إلى إطار قانوني، واستراتيجي واضح. فقد عُدَّت الاستراتيجيَّة الوطنيَّة لمكافحة الفساد (2008-2012م) المجتمع المدني أحد الأركان الرئيسة للمنظومة الوطنيَّة للنزاهة، بوصفه همزة الوصل بين المواطن، ومؤسَّسات الدُّولة، وأكَّدت أنَّ الرَّقابة المجتمعيَّة تمثِّل إحدى أهم أدوات الوقاية من الفساد قبل وقوعه، وتسهم في ترسيخ ثقافة النَّزاهة، وتعزيز المشاركة المجتمعيَّة في حماية المال العام.
كما وضع قانون مكافحة الفساد رقم (39) لسنة 2006م أساسًا قانونيًّا متينًا للشَّراكة بين الدُّولة، والمجتمع المدني، فلم يقتصر على الاعتراف بدور المنظَّمات المدنيَّة، بل منحها أدوارًا، وصلاحيَّات واضحة، وألزم الهيئة الوطنيَّة العليا لمكافحة الفساد بتعزيز مشاركتها في مختلف مراحل مكافحة الفساد، بدءًا من التَّوعية، والوقاية، مرورًا بالمشاركة في رسم السِّياسات، وانتهاءً بدعم الإبلاغ عن جرائم الفساد، وحماية المبلِّغين.
ويوضِّح الجدول أبرز النُّصوص القانونيَّة التي أرست هذه الشَّراكة:
|
المادة |
المضمون |
الفرصة التي توفرها للشراكة |
| المادة (3) فقرة (6) | تشجيع، وتفعيل دور مؤسَّسات، ومنظَّمات المجتمع المدني في المشاركة الفاعلة في مكافحة الفساد، وتوعية المجتمع بمخاطره ووسائل الوقاية منه. | الاعتراف القانوني بالمجتمع المدني كشريك في الوقاية والتَّوعية، وليس مجرَّد جهة رقابيَّة. |
| المادة (8) فقرة (3) | تكليف الهيئة الوطنيَّة العليا لمكافحة الفساد باتِّخاذ التَّدابير الكفيلة بمشاركة المجتمع المحلِّي، ومنظَّمات المجتمع المدني في التَّعريف بمخاطر الفساد، وآثاره على المجتمع، وتوسيع دور المجتمع في الأنشطة المناهضة للفساد، ومكافحته. | إلزام الهيئة ببناء شراكات مؤسَّسيَّة مع المجتمع المدني. |
| المادة (9) فقرة (أ) | تمثيل منظَّمات المجتمع المدني، إلى جانب المرأة والقطاع الخاص، في قوام الهيئة الوطنيَّة العليا لمكافحة الفساد. | إشراك المجتمع المدني في صنع السِّياسات، والاستراتيجيَّات الوطنيَّة لمكافحة الفساد. |
| المادة (24) | إلزام المواطنين بالإبلاغ عن جرائم الفساد متى علموا بها، وتقديم ما لديهم من معلومات للجهات المختصَّة. | تحويل المواطن، ومنظَّمات المجتمع المدني إلى شركاء في الكشف عن الفساد. |
| المادة (25) | تعزيز مشاركة منظَّمات المجتمع المدني في الأنشطة المناهضة للفساد، ونشر الوعي العام، وترسيخ ثقافة عدم التَّسامح مع الفساد، والمفسدين. | توفير أساس قانوني للتَّعاون المستدام في برامج التَّوعية، والرَّقابة المجتمعيَّة. |
| المادة (27) | التزام الهيئة بتوفير الحماية القانونيَّة، والوظيفيَّة، والشخصيَّة للمبلِّغين، والشُّهود، والخبراء. | تشجيع الإبلاغ عن الفساد، وتعزيز الثِّقة في منظومة النَّزاهة. |
يتَّضح من هذه النُّصوص أنَّ التَّشريع اليمني لم يحصر مسؤوليَّة مكافحة الفساد في الأجهزة الرَّسميَّة، بل تبنَّى مفهوم المسؤوليَّة المجتمعيَّة المشتركة، من خلال إشراك المجتمع المدني، والمواطنين في الوقاية، والتَّوعية، والرَّصد، والإبلاغ، والمشاركة في رسم السِّياسات العامَّة. وبذلك، فإنَّ التَّحدِّي الرئيس لا يكمن في غياب النُّصوص القانونيَّة، وإنَّما في محدوديَّة تفعيلها، وتحويلها إلى ممارسات مؤسَّسيَّة مستدامة.
إلى جانب الأساس القانوني، توجد مجموعة من الفرص الواقعيَّة القائمة التي يمكن البناء عليها؛ لتعزيز الشَّراكة بين الحكومة، والمجتمع المدني في مجال الشَّفافيَّة، والنَّزاهة، ومكافحة الفساد، ومن أبرزها:
- وجود إطار قانوني، وتشريعي يقرُّ بالشَّراكة مع المجتمع المدني:
تمتلك اليمن منظومة تشريعيَّة تمنح المجتمع المدني دورًا واضحًا في دعم النَّزاهة، ومكافحة الفساد، وفي مقدِّمتها قانون مكافحة الفساد رقم (39) لسنة 2006م، الذي نصَّ على مشاركة منظَّمات المجتمع المدني في المنظومة الوطنيَّة للنَّزاهة، وإسهامها في التَّوعية، والوقاية من الفساد، وحماية المبلِّغين، والشهود، والخبراء. كما التزمت اليمن باتفاقيَّة الأمم المتَّحدة لمكافحة الفساد التي تؤكِّد أهميَّة مشاركة المجتمع المدني في جهود الوقاية، والمساءلة.
- وجود مرجعيَّة وطنيَّة تنظِّم العلاقة بين الحكومة، والمجتمع المدني:
رغم انتهاء الفترة الزَّمنيَّة للاستراتيجيَّة الوطنيَّة لمكافحة الفساد (2008–2012م)، إلاَّ أنَّها ما تزال تمثِّل الوثيقة الوطنيَّة الوحيدة التي رسمت بصورة واضحة أدوار المجتمع المدني في التَّوعية، والرَّقابة، والوقاية من الفساد، وأكَّدت أنَّ المجتمع المدني أحد مكونات المنظومة الوطنيَّة للنَّزاهة.
- استمرار وجود مؤسَّسات رسميَّة معنية بمكافحة الفساد:
رغم ما تواجهه من تحدِّيات، لا تزال مؤسَّسات النَّزاهة الرَّسميَّة قائمة، مثل الهيئة الوطنيَّة العليا لمكافحة الفساد، والجهاز المركزي للرَّقابة والمحاسبة، والهيئة العليا للرَّقابة على المناقصات، والمزايدات، ووحدات الرَّقابة، والتفتيش في الوزارات، وهو ما يوفِّر أساسًا مؤسَّسيًّا يمكن للمجتمع المدني البناء عليه لتطوير آليَّات التَّعاون، والشَّراكة.
- وجود مجتمع مدني يمتلك خبرات تراكميَّة في مجالات الحوكمة، والرَّقابة:
شهدت اليمن خلال العقدين الماضيين تنفيذ العديد من المبادرات، والمشروعات المتعلِّقة بالشَّفافيَّة، والمساءلة، والحوكمة، وأسهمت منظَّمات المجتمع المدني، والجامعات، ومراكز الدِّراسات في إعداد الدِّراسات، ومراقبة الانتخابات، ورصد الموازنات، وتنفيذ برامج التَّوعية، وبناء القدرات، وهو ما أوجد خبرات وطنيَّة يمكن الاستفادة منها في تطوير الشَّراكة مع المؤسَّسات الحكوميَّة.
- استمرار اهتمام المانحين الدُّوليين بدعم الحوكمة، والإصلاح المؤسَّسي:
لا تزال برامج الأمم المتَّحدة، والبنك الدُّولي، والاتَّحاد الأوروبي، والوكالات التَّنمويَّة المختلفة تخصِّص جزءًا مهمًّا من تدخُّلاتها لدعم الحوكمة، والشَّفافيَّة، وبناء القدرات المؤسَّسيَّة، الأمر الذي يوفِّر فرصة؛ لتعزيز الشَّراكات بين الحكومة، والمجتمع المدني في تنفيذ برامج مشتركة لمكافحة الفساد.
- اتساع استخدام التُّكنولوجيا، ووسائل التَّواصل الاجتماعي:
أصبحت المنصَّات الرَّقميَّة، ووسائل التَّواصل الاجتماعي أدوات فاعلة في نشر المعلومات، وتعزيز الوعي المجتمعي، ومتابعة أداء المؤسَّسات العامَّة، وإثارة قضايا الفساد، وهو ما يوفِّر مساحة جديدة للمساءلة المجتمعيَّة، حتى في ظلِّ محدوديَّة الوسائل التَّقليديَّة للرَّقابة.
- تنامي دور الجامعات، ومراكز الدِّراسات، والإعلام:
برزت خلال السَّنوات الأخيرة مساهمة الجامعات، ومراكز البحوث في إعداد الدِّراسات، والسِّياسات المتعلِّقة بالحوكمة، والإصلاح الإداري، كما حافظت وسائل الإعلام، والصَّحافة الاستقصائيَّة – رغم التحدِّيات – على دورها في كشف عدد من قضايا الفساد، وإثارة النِّقاش العام حولها، بما يجعلها شريكًا مهمًا في منظومة النَّزاهة.
- وجود تجارب محلِّية ناجحة للشَّراكة في بعض القطاعات:
شهدت بعض القطاعات، ولا سيما في مجالات المساعدات الإنسانيَّة، والسُّلطات المحلِّيَّة، والمشروعات المموَّلة دوليًّا، نماذج للتَّنسيق بين الجهات الحكوميَّة، ومنظَّمات المجتمع المدني في المتابعة، والتَّقييم، والمساءلة المجتمعيَّة، وهي تجارب يمكن تطويرها، وتوسيعها لتشمل مجالات أوسع في مكافحة الفساد.
- تنامي الوعي المجتمعي بأهميَّة النَّزاهة، والمساءلة:
أدَّت الأزمات الاقتصاديَّة، وتراجع الخدمات العامَّة إلى ارتفاع مستوى الوعي المجتمعي بأثر الفساد على حياة المواطنين، وأصبحت قضايا الشَّفافيَّة، وإدارة المال العام أكثر حضورًا في الخطاب العام، وهو ما يوفِّر قاعدة اجتماعيَّة داعمة لأيِّ شراكة جادَّة بين الحكومة، والمجتمع المدني.
- وجود التزامات دوليَّة، وإقليميَّة على الدُّولة اليمنيَّة:
تعدُّ اليمن طرفًا في اتفاقيَّة الأمم المتَّحدة لمكافحة الفساد، كما ترتبط بعلاقات تعاون مع العديد من المؤسَّسات الدُّوليَّة التي تضع الحوكمة، والشَّفافيَّة ضمن أولوياتها، الأمر الذي يشكِّل حافزًا لاستمرار تطوير سياسات مكافحة الفساد، وتعزيز مشاركة المجتمع المدني في تنفيذها.
تكشف هذه المعطيات أنَّ فرص بناء شراكة فاعلة بين الحكومة، والمجتمع المدني في اليمن ليست معدومة، بل تستند إلى مرتكزات قائمة بالفعل، تتمثِّل في وجود إطار قانوني، ومؤسَّسات وطنيَّة معنيَّة بالنَّزاهة، وخبرات متراكمة لدى المجتمع المدني، واهتمام دولي مستمرّ بدعم الحوكمة، إلى جانب تنامي الوعي المجتمعي بأهميَّة المساءلة. غير أنَّ هذه الفرص لا تزال غير مستثمرة بالشَّكل الكافي، الأمر الذي يجعل التَّحدِّي الرئيس لا يكمن في غياب الفرص، وإنَّما في تفعيلها، وربطها ضمن إطار مؤسَّسي منظَّم، وتعزيز التَّنسيق، والثِّقة بين مختلف الفاعلين، بما يحوِّلها إلى شراكات مستدامة تسهم في دعم النَّزاهة، ومكافحة الفساد.
المحور الثَّاني: الأدوار، والمسؤوليَّات في بناء شراكة فعَّالة لتعزيز الشَّفافيَّة، والنَّزاهة، ومكافحة الفساد
إنَّ نجاح الشَّراكة بين الحكومة، والمجتمع المدني لا يعتمد على وجود الإرادة السِّياسيَّة، أو َّ الدُّولي فحسب، وإنَّما يتطلَّب وضوحًا في توزيع الأدوار، والمسؤوليَّات بين مختلف الفاعلين؛ فتصبح مكافحة الفساد مسؤوليَّة جماعيَّة تقوم على التَّكامل لا التَّنافس، وعلى التَّعاون لا المواجهة. فالخبرات الدُّوليَّة تؤكِّد أنَّ النُّظم الأكثر نجاحًا في الحدِّ من الفساد هي تلك التي تبني منظومة متكاملة للحوكمة، تشارك فيها مؤسَّسات الدُّولة، ومنظَّمات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والإعلام، والجامعات، والجهات المانحة، كلٌّ وفق اختصاصه، وإمكاناته.
وفي الحالة اليمنيَّة، تزداد أهميَّة هذا التَّكامل في ظلِّ محدوديَّة قدرات المؤسَّسات العامَّة، واتِّساع الاحتياجات التَّنمويَّة، واستمرار التحدِّيات المرتبطة بالنِّزاع، والانقسام المؤسَّسي.
أولًا: دور الحكومة… الانتقال من الاحتكار إلى الشَّراكة
تقع على عاتق الحكومة المسؤوليَّة الأساسيَّة في تهيئة البيئة المؤسَّسيَّة، والقانونيَّة التي تسمح بقيام شراكة حقيقيَّة مع المجتمع المدني. فالشَّراكة لا يمكن أنْ تنجح في ظلِّ غياب المعلومات، أو ضعف الشَّفافيَّة، أو محدوديَّة المشاركة المجتمعيَّة في صنع القرار.
ومن هذا المنطلق، ينبغي أنْ تضطلع الحكومة بعدد من الأدوار الأساسيَّة، أهمها:
- تبنِّي سياسة واضحة للبيانات المفتوحة، والإفصاح عن المعلومات المتعلِّقة بالمشاريع العامَّة، والموازنات، والعقود الحكوميَّة.
- إشراك منظَّمات المجتمع المدني في اللِّجان الاستشاريَّة، ولجان متابعة المشاريع التَّنمويَّة، خصوصًا في القطاعات الخدميَّة.
- تفعيل التَّشريعات المتعلِّقة بحماية المبلِّغين عن الفساد، وضمان عدم تعرُّضهم لأيِّ ملاحقة، أو انتقام.
- تعزيز استقلاليَّة الأجهزة الرَّقابيَّة، وتسهيل التَّعاون بينها، وبين منظَّمات المجتمع المدني.
- الانتقال من التَّعامل مع المجتمع المدني بعدّه جهة رقابيَّة معارضة، إلى عدِّه شريكًا في تحسين الأداء المؤسَّسي ورفع جودة الخدمات العامَّة.
ولا يعني ذلك التَّنازل عن مسؤوليَّات الدُّولة، وإنَّما توسيع دائرة المشاركة بما يعزِّز كفاءة الإدارة العامَّة، ويزيد من ثقة المواطنين بالمؤسَّسات الحكوميَّة.
ثانيًا: دور منظَّمات المجتمع المدني… من الرَّصد إلى صناعة الحلول
تمثِّل منظَّمات المجتمع المدني الحلقة الأقرب إلى المواطنين، والأقدر على استشعار المشكلات المحلِّيَّة، الأمر الذي يمنحها دورًا محوريًّا في تعزيز النَّزاهة، والرَّقابة المجتمعيَّة.
غير أنَّ المرحلة الحالية تتطلَّب تجاوز الدور التَّقليدي القائم على إصدار البيانات، أو التَّقارير، والانتقال إلى أدوار أكثر تأثيرًا، تشمل:
- مراقبة تنفيذ المشاريع العامَّة، وإعداد تقارير مهنيَّة تستند إلى الأدلَّة.
- تنفيذ برامج توعية مجتمعيَّة حول مخاطر الفساد، وآثاره على التَّنمية، والخدمات.
- إعداد دراسات، وسياسات تقدِّم بدائل عمليَّة لصنَّاع القرار.
- بناء جسور الحوار بين المواطنين، والسُّلطات المحلِّيَّة.
- المشاركة في تقييم جودة الخدمات العامَّة، وقياس رضا المستفيدين.
- دعم جهود الإصلاح الإداري من خلال تقديم المقترحات الفنِّية، وليس الاكتفاء بالنَّقد.
وبذلك تصبح منظَّمات المجتمع المدني شريكًا في صناعة السِّياسات العامَّة، وليس مجرَّد مراقب خارجي لأداء الحكومة.
ثالثًا: دور الشَّباب… قيادة الرَّقابة المجتمعيَّة، والابتكار الرَّقمي
يمثِّل الشَّباب أكثر من نصف المجتمع اليمني، وهم الأكثر قدرة على توظيف التَّقنيات الحديثة في خدمة الشَّفافيَّة، والمساءلة. ويمكن أنْ يقود الشَّباب عددًا من المبادرات النَّوعيَّة، مثل:
- إنشاء شبكات تطوّعيَّة لمراقبة تنفيذ المشاريع العامَّة.
- تطوير تطبيقات، ومنصَّات إلكترونيَّة للإبلاغ عن الفساد.
- إعداد قواعد بيانات، ومؤشِّرات محلِّية لقياس مستوى النَّزاهة، وجودة الخدمات.
- إنتاج محتوى رقمي يرفع الوعي المجتمعي بقضايا الشَّفافيَّة.
- تنفيذ مبادرات مجتمعيَّة؛ لتعزيز ثقافة النَّزاهة في المدارس، والجامعات.
يمتلك الشَّباب ميزة نسبيَّة تتمثِّل في استقلاليتهم عن شبكات المصالح التَّقليديَّة، وقدرتهم على استخدام التُّكنولوجيا في جمع البيانات، وتحليلها، ونشرها بسرعة، وكفاءة.
رابعًا: دور القطاع الخاص… من الامتثال إلى الشَّراكة
لا يقتصر دور القطاع الخاص على الالتزام بالقوانين، بل يمتدُّ إلى الإسهام في بناء بيئة أعمال قائمة على النَّزاهة، والشَّفافيَّة. ويمكن للقطاع الخاص أنْ يسهم في ذلك من خلال:
- اعتماد مدوَّنات سلوك مؤسَّسيَّة لمكافحة الرّشوة، وتضارب المصالح.
- الإفصاح الطوعي عن البيانات الماليَّة، وتقارير الحوكمة.
- دعم مبادرات الشَّفافيَّة ضمن برامج المسؤوليَّة الاجتماعيَّة.
- المشاركة في الحوارات الوطنيَّة المتعلِّقة بالإصلاح الإداري، وتحسين بيئة الاستثمار.
- رفض الممارسات غير القانونيَّة في التَّعاقدات، والمناقصات العامَّة.
فكلَّما ارتفعت معايير الحوكمة داخل القطاع الخاص، انخفضت فرص الفساد في العلاقة بين الدُّولة، والسُّوق.
خامسًا: دور الإعلام… شريك في تعزيز المساءلة
يشكِّل الإعلام أحد أهم مكوِّنات منظومة النَّزاهة، من خلال كشف الاختلالات، وإيصال المعلومات للمجتمع، وتعزيز النِّقاش العام حول قضايا الفساد. غير أنَّ هذا الدور يتطلَّب توفير بيئة تضمن:
- حرِّية الوصول إلى المعلومات.
- حماية الصّحفيِّين الاستقصائيِّين.
- تطوير مهارات الإعلاميِّين في صحافة البيانات، والتَّحقيقات الاستقصائيَّة.
- الالتزام بالمعايير المهنيَّة؛ لتجنُّب التَّشهير، أو نشر المعلومات غير الموثَّقة.
فالإعلام المهني يسهم في الوقاية من الفساد بقدر ما يسهم في كشفه.
سادسًا: دور الجامعات، ومراكز البحوث… إنتاج المعرفة، والسِّياسات
تمثِّل الجامعات، ومراكز الدِّراسات مصدرًا مهمًّا للمعرفة، والأدلَّة التي تستند إليها سياسات مكافحة الفساد. ويمكنها الإسهام من خلال:
- إعداد مؤشِّرات وطنيَّة، ومحلِّية لقياس النَّزاهة.
- تنفيذ دراسات تقييميَّة حول فعاليَّة السِّياسات العامَّة.
- تقديم الاستشارات العلميَّة للحكومة، ومنظَّمات المجتمع المدني.
- تدريب الكوادر الحكوميَّة، والشَّبابيَّة على أدوات الحوكمة، والشَّفافيَّة.
- إدماج موضوعات النَّزاهة، ومكافحة الفساد في البرامج الأكاديميَّة.
سابعًا: دور المانحين الدُّوليين… دعم الإصلاح المؤسَّسي لا تمويل الأنشطة فقط
أثبتت التَّجربة اليمنيَّة أنَّ كثيرًا من برامج مكافحة الفساد انتهت بانتهاء التَّمويل؛ لأنَّها ركَّزت على تنفيذ الأنشطة أكثر من بناء المؤسَّسات؛ ولذلك ينبغي أنْ يتَّجه دعم المانحين نحو:
- تمويل المبادرات المشتركة بين الحكومة، والمجتمع المدني.
- دعم التَّحوُّل الرَّقمي، والبيانات المفتوحة.
- بناء القدرات المؤسَّسيَّة للأجهزة الرَّقابيَّة.
- ربط التَّمويل بمؤشِّرات واضحة تتعلَّق بالشَّفافيَّة، والإفصاح والمساءلة.
- الاستثمار في استدامة المبادرات، وليس في تنفيذها المؤقَّت.
يتَّضح ممَّا سبق أنَّ بناء شراكة فاعلة بين الحكومة، والمجتمع المدني لا يقوم على توزيع الأدوار بصورة شكليَّة، وإنَّما على إعادة تعريف العلاقة بين مختلف الفاعلين ضمن إطار الحوكمة التَّشاركيَّة. فالحكومة تهيِّئ البيئة التَّشريعيَّة، والمؤسَّسيَّة، والمجتمع المدني يمارس الرَّقابة المجتمعيَّة، ويقدِّم الحلول، والشَّباب يقودون الابتكار، والمساءلة الرَّقميَّة، والقطاع الخاص يعزِّز النَّزاهة في بيئة الأعمال، والإعلام يدعم الشَّفافيَّة، والجامعات تنتج المعرفة، بينما يوفِّر المانحون الدَّعم الفنِّي، والمؤسَّسي. وعندما تتكامل هذه الأدوار، تتحوَّل مكافحة الفساد من مسؤوليَّة جهة بعينها إلى منظومة وطنيَّة متكاملة قادرة على حماية المال العام، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسَّسات الدُّولة، وهو ما يمثِّل المدخل الحقيقي لبناء الحوكمة الرَّشيدة في اليمن.
المحور الثَّالث: تحدِّيات بناء الشَّراكة بين الحكومة، والمجتمع المدني، وآليَّات تعزيز فاعليتها في مكافحة الفساد
إنَّ بناء شراكة فاعلة بين الحكومة، ومنظَّمات المجتمع المدني في مجال تعزيز الشَّفافيَّة، والنَّزاهة، ومكافحة الفساد ليس مهمَّة سهلة، خاصَّة في بيئة تتَّسم بالهشاشة المؤسَّسيَّة، واستمرار النِّزاع، والانقسام السياسي، وضعف الموارد. غير أنَّ خصوصيَّة الحالة اليمنيَّة تتمثَّل في أنَّ التَّحدِّي لا يقتصر على ضعف العلاقة بين الحكومة، والمجتمع المدني، بل يمتدُّ إلى ضعف منظومة النَّزاهة العامَّة نفسها؛ إذْ تواجه المؤسَّسات الرَّقابيَّة، والقضائيَّة تحدِّيات هيكليَّة أثَّرت في قدرتها على أداء وظائفها، وفي مقدِّمتها الهيئة الوطنيَّة العليا لمكافحة الفساد، والجهاز المركزي للرَّقابة والمحاسبة، والهيئة العليا للرَّقابة على المناقصات، والمزايدات، وغيرها من مؤسَّسات إنفاذ القانون.
على الرغم من أنَّ اليمن يمتلك إطارًا تشريعيًّا متقدِّمًا نسبيًّا في مجال مكافحة الفساد، فإنَّ فجوة التَّطبيق ما تزال واسعة، الأمر الذي جعل فرص الشَّراكة بين الحكومة، والمجتمع المدني أقلَّ من الإمكانات التي تتيحها النُّصوص القانونيَّة. ويمكن تلخيص أبرز التحدِّيات وآليَّات معالجتها فيما يأتي:
أولًا: ضعف مؤسَّسات النَّزاهة العامَّة، وتعثُّر تجديدها
يعدُّ ضعف البنية المؤسَّسيَّة لمنظومة النَّزاهة أحد أهم العوائق أمام بناء شراكة فعَّالة مع المجتمع المدني. فعلى الرّغم من إنشاء الهيئة الوطنيَّة العليا لمكافحة الفساد، والجهاز المركزي للرَّقابة والمحاسبة، والهيئة العليا للرَّقابة على المناقصات، والمزايدات، إلاَّ أنَّ عددًا من هذه المؤسَّسات يواجه اختلالات مؤسَّسيَّة أثَّرت في استقلاليَّته، وفاعليته.
من أبرز مظاهر ذلك استمرار الهيئة الوطنيَّة العليا لمكافحة الفساد دون تجديد تشكيلها منذ انتهاء مدَّتها القانونيَّة، وعدم استكمال إجراءات تعيين قيادات جديدة لبعض الأجهزة الرَّقابيَّة، إضافة إلى محدوديَّة الموارد الماليَّة، والبشرية، وضعف التَّنسيق بين مؤسَّسات الرَّقابة المختلفة، وهو ما انعكس سلبًا على قدرتها في قيادة جهود مكافحة الفساد، وبناء شراكات مستدامة مع المجتمع المدني.
إنَّ هذه الحالة تجعل المجتمع المدني يبحث عن شريك حكومي لا يمتلك في كثير من الأحيان الأدوات المؤسَّسيَّة الكافية للتَّفاعل معه.
آليَّات التجاوز:
- استكمال إعادة تشكيل مؤسَّسات النَّزاهة وفقًا للقوانين النافذة.
- اعتماد معايير الكفاءة، والاستقلاليَّة في اختيار القيادات الرَّقابيَّة.
- إنشاء مجلس تنسيقي يضمُّ مختلف مؤسَّسات النَّزاهة، والرَّقابة.
- فتح قنوات مؤسَّسيَّة دائمة للتَّواصل مع منظَّمات المجتمع المدني، ومراكز البحوث، والجامعات.
ثانيًا: ضعف الثِّقة بين الحكومة، ومنظَّمات المجتمع المدني
لا تزال العلاقة بين كثير من الجهات الحكوميَّة، ومنظَّمات المجتمع المدني محكومة بحالة من الشَّكِّ المتبادل. فبعض المؤسَّسات الحكوميَّة تنظر إلى المجتمع المدني بعدّه أداة للضغط، أو المعارضة، بينما تنظر بعض المنظَّمات إلى الأجهزة الحكوميَّة بعدّها جزءًا من المشكلة أكثر من كونها شريكًا في الحلِّ.
وقد أدَّى ذلك إلى اقتصار التَّعاون غالبًا على المشاريع المموَّلة من المانحين، دون وجود شراكة مؤسَّسيَّة مستدامة في رسم السِّياسات، أو متابعة تنفيذها.
آليَّات التجاوز:
- إنشاء منتدى وطني دوري للحوار بين الحكومة، والمجتمع المدني.
- توقيع مذكرات تفاهم تحدِّد مجالات التَّعاون، وآليَّات تبادل المعلومات.
- تنفيذ مشروعات رقابيَّة مشتركة في القطاعات الخدميَّة لبناء الثِّقة تدريجيًّا.
- اعتماد مبدأ الشَّفافيَّة في نشر نتائج أعمال الرَّقابة، والتَّقييم.
ثالثًا: محدوديَّة الوصول إلى المعلومات، وضعف الشَّفافيَّة
لا يمكن للمجتمع المدني أنْ يمارس رقابة حقيقيَّة في ظلِّ غياب المعلومات. ورغم وجود نصوص قانونيَّة تكفل حقَّ الاطلاع على المعلومات، فإنَّ الممارسة العمليَّة ما تزال تتَّسم بضعف الإفصاح، وعدم انتظام نشر البيانات المتعلِّقة بالموازنات، والعقود، والمشتريات العامَّة، وتقارير الأداء.
وأدَّى ذلك إلى إضعاف قدرة المجتمع المدني، والإعلام، والباحثين على تقييم الأداء الحكومي، كما حدَّ من فاعلية الرَّقابة المجتمعيَّة.
آليَّات التجاوز:
- تبنِّي سياسة وطنيَّة للبيانات المفتوحة.
- إلزام المؤسَّسات الحكوميَّة بنشر الموازنات، والعقود، وتقارير الإنجاز بصورة دوريَّة.
- إنشاء منصَّة إلكترونيَّة موحَّدة؛ لنشر البيانات الماليَّة، والإداريَّة.
- تطوير مؤشِّر وطني لقياس مستوى الشَّفافيَّة، والإفصاح في المؤسَّسات العامَّة.
رابعًا: محدوديَّة قدرات منظَّمات المجتمع المدني
تعاني منظَّمات المجتمع المدني اليمنيَّة العاملة في مجال الشَّفافيَّة، والنَّزاهة من تحدِّيات متراكمة، لعلَّ أبرزها محدوديَّة عدد المنظَّمات المتخصِّصة، واعتمادها الكبير على التَّمويل الخارجي، وضعف الاستدامة المؤسَّسيَّة، فضلًا عن انتقال اهتمام معظم المنظَّمات خلال سنوات النزاع إلى العمل الإنساني، والإغاثي على حساب برامج الحوكمة، والإصلاح المؤسَّسي.
كما تواجه هذه المنظَّمات نقصًا في الخبرات الفنِّية في مجالات تحليل الموازنات، والتَّدقيق الاجتماعي، ورصد الإنفاق العام، وإعداد تقارير السِّياسات.
آليَّات التجاوز:
- إنشاء شبكة وطنيَّة لمنظَّمات النَّزاهة، والشَّفافيَّة.
- تنفيذ برامج متخصِّصة لبناء القدرات في مجالات الحوكمة، والرَّقابة المجتمعيَّة.
- إشراك الجامعات، ومراكز الدِّراسات في إنتاج المعرفة، وتدريب الكوادر.
- تنويع مصادر التَّمويل، وتعزيز الشَّراكات مع القطاع الخاص.
خامسًا: تسييس ملفَّات مكافحة الفساد
من أبرز التحدِّيات التي تواجه جهود مكافحة الفساد في اليمن توظيف ملفَّات الفساد ضمن الصراع السِّياسي، الأمر الذي يفقد المبادرات الرَّقابيَّة حياديَّتها، ويحوِّلها أحيانًا إلى أدوات للمناكفات السِّياسية بدلًا من كونها أدوات للإصلاح المؤسَّسي.
لذلك أصبح كثير من المسؤولين ينظرون إلى تقارير المجتمع المدني بعدّها مواقف سياسيَّة، لا أدوات مهنيَّة للتَّقييم.
آليَّات التجاوز:
- تبنِّي خطاب مهني يركِّز على تحسين الخدمات العامَّة، وجودة الإدارة.
- الاعتماد على الأدلَّة، والمؤشِّرات، والبيانات في تقييم الأداء.
- تحييد مبادرات الرَّقابة عن التجاذبات السِّياسيَّة.
- إشراك مختلف الأطراف في تصميم آليَّات الرَّقابة بما يعزِّز حياديتها.
سادسًا: ضعف التَّنسيق بين الفاعلين
تعمل المؤسَّسات الحكوميَّة، ومنظَّمات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والمانحون غالبًا بصورة متوازية، دون وجود إطار وطني يجمع جهودهم، مما يؤدِّي إلى تكرار المبادرات، وهدر الموارد، وضعف الأثر.
آليَّات التَّجاوز:
- إنشاء منصة وطنيَّة للتَّنسيق في مجال النَّزاهة، والشَّفافيَّة.
- إعداد خطَّة وطنيَّة مشتركة؛ لتعزيز النَّزاهة.
- تطوير نظام موحَّد لمتابعة المبادرات، وتقييم أثرها.
- تبادل البيانات، والخبرات بين مختلف الشُّركاء.
سابعًا: استمرار النِّزاع، والانقسام المؤسَّسي
يبقى استمرار النِّزاع، والانقسام المؤسَّسي التَّحدِّي الأكبر أمام أيِّ جهود إصلاحيَّة؛ إذْ أدَّى إلى وجود مؤسَّسات رقابيَّة تعمل في بيئات سياسيَّة، وإداريَّة مختلفة، وأضعف قدرتها على تنفيذ سياسات وطنيَّة موحَّدة في مجال مكافحة الفساد.
إلاَّ أنَّ انتظار انتهاء النِّزاع قبل البدء في الإصلاح ليس خيارًا عمليًّا؛ لأنَّ استمرار الفساد يسهم بدوره في إطالة أمد الهشاشة، وإضعاف مؤسَّسات الدُّولة.
آليَّات التجاوز:
- البدء ببناء نماذج محلِّية ناجحة في المحافظات الواقعة تحت إدارة الحكومة الشَّرعيَّة.
- التَّركيز على القطاعات الخدميَّة ذات الأولويَّة مثل الصحَّة، والتَّعليم، والكهرباء، والمياه.
- اعتماد نهج تدريجي في بناء الشَّراكات المؤسَّسيَّة.
- التعامل مع النَّزاهة بعدّها قضية إداريَّة، وتنمويَّة، وليست قضيَّة سياسيَّة.
ثامنًا: الانتقال من دور المراقب إلى دور الشريك الإصلاحي
في ظلِّ ضعف بعض مؤسَّسات النَّزاهة، لا ينبغي أنْ ينتظر المجتمع المدني اكتمال الإصلاح المؤسَّسي حتى يباشر دوره، بل يمكنه أنْ يتحوَّل إلى شريك فاعل في دعم الإصلاح من خلال مبادرات عمليَّة، مثل: إنشاء مراصد مستقلة للنَّزاهة، وإعداد تقارير الظل، وتطوير مؤشِّرات لقياس أداء المؤسَّسات، وتعزيز الصَّحافة الاستقصائيَّة، وبناء تحالفات وطنيَّة تضمُّ الجامعات، والنَّقابات، ومراكز الدِّراسات، إضافة إلى تقديم الدَّعم الفنِّي للمؤسَّسات الحكوميَّة في مجالات الشَّفافيَّة، والإفصاح، والرَّقابة المجتمعيَّة.
إنَّ نجاح الشَّراكة يتطلَّب أنْ ينتقل المجتمع المدني من الاقتصار على كشف الفساد بعد وقوعه إلى الإسهام في منع وقوعه عبر تعزيز الحوكمة، وتحسين جودة السِّياسات العامَّة، وتقديم الحلول العمليَّة المبنيَّة على الأدلَّة.
تكشف هذه التحدِّيات أنَّ الأزمة في اليمن لا تكمن في غياب القوانين، أو المبادرات، وإنَّما في ضعف المنظومة المؤسَّسيَّة التي يفترض أنْ تقود جهود النَّزاهة، ومكافحة الفساد. ومن ثمَّ، فإنَّ بناء شراكة فاعلة بين الحكومة، والمجتمع المدني يتطلَّب العمل بالتوازي على مسارين متكاملين: إعادة بناء مؤسَّسات النَّزاهة، وتعزيز استقلاليتها، وفاعليتها من جهة، وتمكين المجتمع المدني من أداء دوره كشريك مؤسَّسي في الوقاية من الفساد، وإنتاج المعرفة، والرَّقابة المجتمعيَّة، وتعزيز المساءلة من جهة أخرى. وبهذا تتحوَّل الشَّراكة من علاقة موسميَّة مرتبطة بالمشروعات المموَّلة إلى إطار مؤسَّسي مستدام يسهم في حماية المال العام، وتحسين جودة الخدمات، واستعادة ثقة المواطنين بالدُّولة.
المحور الرَّابع: خارطة طريق لبناء شراكة مؤسَّسيَّة مستدامة بين الحكومة، والمجتمع المدني
إنَّ بناء شراكة فعَّالة بين الحكومة، ومنظَّمات المجتمع المدني لا يتحقَّق من خلال المبادرات المؤقَّتة، أو المشروعات قصيرة الأجل، وإنَّما يتطلَّب رؤية مؤسَّسيَّة واضحة، وخطَّة تنفيذيَّة تدريجيَّة، وإرادة سياسيَّة تترجم إلى سياسات، وإجراءات عمليَّة. وفي ظلِّ الواقع اليمني، فإنَّ نجاح هذه الشَّراكة يرتبط بالقدرة على الانتقال من منطق الاستجابة الظرفيَّة إلى بناء منظومة دائمة للحوكمة التَّشاركيَّة، يكون فيها المجتمع المدني شريكًا في صنع القرار، والرَّقابة، والتَّقييم، وليس مجرَّد متلقٍ للمعلومات، أو منفِّذٍ لمشروعات مموَّلة.
تقترح هذه الورقة خارطة طريق تتكوَّن من أربع مراحل متكاملة، تراعي طبيعة البيئة اليمنيَّة، وإمكانات المؤسَّسات الحكوميَّة، ودور الشَّباب، ومنظَّمات المجتمع المدني.
المرحلة الأولى: بناء الثِّقة، وتهيئة البيئة المؤسَّسيَّة
تمثِّل الثِّقة الأساس الذي تقوم عليه أيّ شراكة ناجحة؛ ولذلك ينبغي أنْ تبدأ عمليَّة الإصلاح بإجراءات عمليَّة تعكس استعداد الحكومة للانفتاح على المجتمع المدني، واستعداد منظَّمات المجتمع المدني للعمل وفق معايير المهنيَّة، والحياد. وتشمل هذه المرحلة:
- إنشاء منصَّة وطنيَّة للحوار تجمع الحكومة، ومنظَّمات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والجامعات، والجهات المانحة بصورة دوريَّة.
- توقيع مذكِّرات تفاهم بين الوزارات، والسُّلطات المحلِّيَّة، ومنظَّمات المجتمع المدني تحدِّد مجالات التَّعاون، وآليَّات تبادل المعلومات.
- إعداد دليل وطني للشَّراكة يحدِّد الحقوق، والواجبات، وأدوات التَّنسيق، وآليَّات فض النِّزاعات.
- تنفيذ برامج مشتركة؛ لبناء الثِّقة، وتعزيز ثقافة العمل التَّشاركي.
الجهات المسؤولة: رئاسة الوزراء، وزارة الإدارة المحلِّيَّة، الهيئة الوطنيَّة العليا لمكافحة الفساد، منظَّمات المجتمع المدني.
الإطار الزَّمني: السِّتَّة أشهر الأولى.
المرحلة الثَّانية: تعزيز الشَّفافيَّة، وإتاحة المعلومات
لا يمكن أنْ تنجح الشَّراكة دون وجود معلومات دقيقة، ومتاحة لجميع الأطراف؛ لذلك ينبغي أنْ تركِّز المرحلة الثَّانية على بناء بيئة قائمة على الإفصاح، والشَّفافيَّة. وتتضمَّن هذه المرحلة:
- إطلاق بوابة وطنيَّة للبيانات المفتوحة تتضمَّن العقود الحكوميَّة، والموازنات، والمشروعات العامَّة، وتقارير الإنجاز.
- نشر تقارير دوريَّة حول تنفيذ المشاريع الحكوميَّة.
- إنشاء منصَّات إلكترونية للإبلاغ عن الفساد مع توفير الحماية للمبلِّغين.
- تطوير مؤشِّرات وطنيَّة لقياس مستوى الشَّفافيَّة في المؤسَّسات الحكوميَّة.
الجهات المسؤولة: وزارة الماليَّة، ووزارة التخطيط والتَّعاون الدُّولي، ووزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، والهيئة الوطنيَّة العليا لمكافحة الفساد، والجهاز المركزي للرَّقابة والمحاسبة.
الإطار الزَّمني: السَّنة الأولى.
المرحلة الثَّالثة: تفعيل الرَّقابة المجتمعيَّة، والشَّراكات المحلِّيَّة
بعد بناء الثِّقة، وتحسين مستوى الشَّفافيَّة، تنتقل الشَّراكة إلى مرحلة المشاركة الفعليَّة في متابعة الأداء الحكومي. وتشمل هذه المرحلة:
- إنشاء فرق رقابة مجتمعيَّة تضمُّ ممثِّلين عن السُّلطات المحلِّيَّة، ومنظَّمات المجتمع المدني، والجامعات، والنَّقابات المهنيَّة.
- إشراك المجتمع المدني في متابعة تنفيذ المشاريع الخدميَّة، خاصَّة في قطاعات الصَّحة، والتَّعليم، والمياه، والكهرباء.
- تطبيق نموذج “الموازنة التَّشاركيَّة” في عدد من المديريَّات النَّموذجيَّة، بما يسمح للمواطنين بالمشاركة في تحديد أولويات الإنفاق المحلِّي.
- إنشاء مرصد وطني للنَّزاهة يصدر تقارير دوريَّة عن مستوى الشَّفافيَّة، وجودة الخدمات العامَّة.
الجهات المسؤولة: السُّلطات المحلِّيَّة، وزارة الإدارة المحلِّيَّة، منظَّمات المجتمع المدني، الجامعات، القطاع الخاص.
الإطار الزَّمني: السَّنة الثَّانية.
المرحلة الرَّابعة: المؤسَّسة، والاستدامة
لا تكتمل عمليَّة الإصلاح إلاَّ بتحويل الممارسات النَّاجحة إلى سياسات عامَّة، وإجراءات مؤسَّسيَّة ملزمة، بما يضمن استمرارها بغض النَّظر عن تغير الحكومات، أو انتهاء التَّمويل الخارجي. وتتضمَّن هذه المرحلة:
- إدماج الشَّراكة مع المجتمع المدني ضمن الخطط الوطنيَّة لمكافحة الفساد، والإصلاح الإداري.
- إصدار لوائح تنظيميَّة تحدِّد آليَّات مشاركة المجتمع المدني في الرَّقابة على المشاريع العامَّة.
- تخصيص موازنات حكوميَّة؛ لدعم مبادرات الشَّفافيَّة، والرَّقابة المجتمعيَّة.
- إدراج مؤشِّرات الشَّفافيَّة، والمساءلة ضمن معايير تقييم أداء الوزارات، والسُّلطات المحلِّيَّة.
- إنشاء وحدة دائمة للشَّراكة المجتمعيَّة داخل كلّ وزارة، وهيئة خدميَّة لتَّنسيق العلاقة مع منظَّمات المجتمع المدني.
الجهات المسؤولة: مجلس الوزراء، ومجلس النُّوَّاب، ووزارة الخدمة المدنيَّة، والهيئة الوطنيَّة العليا لمكافحة الفساد، والسُّلطات المحلِّيَّة.
الإطار الزَّمني: السَّنة الثَّالثة.
- متطلَّبات نجاح خارطة الطريق:
لكي تحقِّق هذه الخارطة أهدافها، فإنَّ نجاحها يتطلَّب توافر مجموعة من المقوِّمات الأساسيَّة، أهمَّها:
- وجود إرادة سياسيَّة تتبنَّى مبدأ الشَّراكة بوصفه خيارًا استراتيجيًّا للإصلاح.
- تحييد قضايا الشَّفافيَّة، والنَّزاهة عن التَّجاذبات السِّياسيَّة، والصِّراعات الحزبيَّة.
- توفير الحماية القانونيَّة للمبلِّغين، والصّحفيِّين، والعاملين في الرَّقابة المجتمعيَّة.
- الاستثمار في بناء قدرات المؤسَّسات الحكوميَّة، ومنظَّمات المجتمع المدني، وخاصَّة المنظَّمات الشَّبابيَّة.
- توجيه جزء من التَّمويل الدُّولي نحو بناء المؤسَّسات، وتعزيز الاستدامة، بدلًا من الاقتصار على تمويل الأنشطة قصيرة الأجل.
- اعتماد التَّحوُّل الرَّقمي كأداة لتعزيز الإفصاح، والمساءلة وتوسيع المشاركة المجتمعيَّة.
- مؤشِّرات قياس النَّجاح:
لضمان متابعة تنفيذ خارطة الطَّريق، وتقييم أثرها، تقترح الورقة اعتماد مجموعة من المؤشِّرات القابلة للقياس، من أبرزها:
- عدد اتفاقيَّات الشَّراكة الموقَّعة بين الجهات الحكوميَّة، ومنظَّمات المجتمع المدني.
- نسبة الجهات الحكوميَّة التي تنشر بياناتها الماليَّة، وتقاريرها الدَّوريَّة.
- عدد المبادرات المشتركة المنفَّذة في مجال الرَّقابة المجتمعيَّة.
- عدد البلاغات التي تمَّ التَّعامل معها عبر منصَّات الإبلاغ عن الفساد.
- مستوى مشاركة المواطنين في إعداد الخطط المحلِّيَّة، والموازنات التَّشاركيَّة.
- تحسن مؤشِّرات رضا المواطنين عن الخدمات العامَّة.
- ارتفاع مستوى الثِّقة بين المواطنين، والمؤسَّسات الحكوميَّة وفق استطلاعات الرأي.
إنَّ بناء شراكة مؤسَّسيَّة بين الحكومة، والمجتمع المدني ليس مشروعًا مرحليًّا، بل هو مسار إصلاحي طويل الأمد يستهدف إعادة بناء العلاقة بين الدُّولة، والمجتمع على أسس من الثِّقة، والشَّفافيَّة، والمساءلة، والمشاركة. وإذا ما نُفِّذت هذه الخارطة بصورة تدريجيَّة، مع مراعاة خصوصيَّة السِّياق اليمني، فإنَّها يمكن أنْ تُشكِّل نقطة انطلاق نحو منظومة حوكمة أكثر كفاءة، تُسهم في حماية المال العام، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسَّسات الدُّولة، بما يدعم جهود التَّعافي، وبناء الدُّولة على أسس أكثر استدامة.
المحور الخامس: الدُّروس المستفادة من التَّجارب الدُّوليَّة في الشَّراكة من أجل النَّزاهة، ومكافحة الفساد
تؤكِّد التَّجارب الدُّوليَّة أنَّ مكافحة الفساد لم تعد مسؤوليَّة الأجهزة الرَّقابيَّة وحدها، وإنَّما أصبحت عمليَّة تشاركيَّة تشترك فيها الحكومات، ومنظَّمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والجامعات، والقطاع الخاص، والمواطنون. وقد أثبتت العديد من التَّجارب أنَّ نجاح استراتيجيَّات مكافحة الفساد يرتبط بقدرة الدُّولة على بناء شراكات مؤسَّسيَّة قائمة على الشَّفافيَّة، وإتاحة المعلومات، والمساءلة المجتمعيَّة، واستخدام التُّكنولوجيا، أكثر من ارتباطه بتشديد العقوبات وحدها.
ومن خلال استعراض عدد من التَّجارب الدُّوليَّة، يمكن استخلاص مجموعة من الدُّروس العمليَّة التي تتناسب مع السِّياق اليمني.
أولًا: ماليزيا… تحويل المواطنين إلى شركاء في مكافحة الفساد
تُمثِّل تجربة اللِّجنة الماليزيَّة لمكافحة الفساد (MACC) نموذجًا متقدِّمًا في توظيف الشَّراكة المجتمعيَّة ضمن استراتيجيَّة وطنيَّة متكاملة. فمنذ إنشاء اللِّجنة بصيغتها الحديثة عام 2009م، لم تقتصر مهامها على التَّحقيق في قضايا الفساد، بل أولت اهتمامًا كبيرًا ببناء شراكة مستدامة مع المجتمع المدني.
وقد أنشأت اللِّجنة إدارة مستقلَّة للتَّوعية المجتمعيَّة، وأطلقت حملات إعلاميَّة مستمرَّة تحت شعار “أنت تستطيع أنْ تصنع الفرق… حارب الفساد“، بما يعكس تحوُّل المواطن من متلقٍّ للسِّياسات إلى شريك في تنفيذها. كما طوَّرت منصَّات إلكترونيَّة تفاعليَّة تتيح الإبلاغ عن قضايا الفساد، ونشر الإحصاءات، والتَّقارير السَّنويَّة ونتائج القضايا، وعقدت مؤتمرات علميَّة سنويَّة بالتَّعاون مع الجامعات، ومراكز البحث.
الدَّرس المستفاد لليمن: إنَّ بناء الثِّقة يتطلَّب الانتقال من ثقافة السِّريَّة إلى ثقافة التَّواصل، والإفصاح، ومن عدِّ المواطن جزءًا من المشكلة إلى عدِّه جزءًا من الحلِّ.
ثانيًا: سنغافورة… الإرادة السِّياسيَّة، والشَّراكة المجتمعيَّة
تعدُّ سنغافورة من أنجح التَّجارب العالميَّة في مكافحة الفساد، ليس بسبب العقوبات الصَّارمة فقط، وإنَّما نتيجة تكامل ثلاثة عناصر: الإرادة السِّياسيَّة، واستقلاليَّة مؤسَّسات مكافحة الفساد، ورفض المجتمع للفساد بعدّه سلوكًا غير مقبول. وقد نجح مكتب التَّحقيق في ممارسات الفساد (CPIB) في بناء ثقة المجتمع من خلال استقلاليَّته، وسرعة التَّحقيق، والتَّواصل المستمر مع المواطنين، وإطلاق برامج للتوعية داخل المدارس، والجامعات، والقطاع الخاص.
الدَّرس المستفاد لليمن: لا يمكن أنْ تحقِّق المؤسَّسات الرَّقابيَّة نتائج مستدامة دون وجود ثقة مجتمعيَّة، كما أنَّ الوقاية، والتَّوعية لا تقلُّ أهميَّة عن التَّحقيق، والعقاب.
ثالثًا: الهند… قوَّة المجتمع المدني في دفع الإصلاحات
تقدِّم الهند نموذجًا مهمًّا في قدرة المجتمع المدني على تحويل المطالب الشَّعبيَّة إلى إصلاحات مؤسَّسيَّة. فقد أسهمت الحركة المجتمعيَّة المناهضة للفساد عام 2011م في الدَّفع نحو إقرار تشريعات مهمَّة، أبرزها تفعيل قانون الحقّ في الحصول على المعلومات (RTI)، وإنشاء مؤسَّسات رقابيَّة أكثر استقلاليَّة. كما برهنت التَّجربة الهنديَّة أنَّ إتاحة المعلومات مكّنت المواطنين، ومنظَّمات المجتمع المدني من كشف العديد من قضايا الفساد، وأنَّ التُّكنولوجيا، ومنصَّات الإبلاغ المجتمعي، مثل: I Paid a Bribe، أصبحت أدوات فعَّالة لرصد أنماط الفساد، وتحفيز الإصلاح الإداري.
الدَّرس المستفاد لليمن: لا تصبح المعلومات أداة للإصلاح إلاَّ إذا وُجِد مجتمع مدني قادر على تحليلها، واستخدامها في الرَّقابة، والمساءلة.
رابعًا: المكسيك… الحقّ في الحصول على المعلومات أساس الشَّراكة
اعتمدت المكسيك إصلاحات مؤسَّسيَّة عزَّزت مشاركة المجتمع المدني من خلال إنشاء هيئة مستقلَّة؛ لضمان الحقِّ في الحصول على المعلومات، الأمر الذي أدَّى إلى زيادة شفافيَّة المؤسَّسات الحكوميَّة، وتعزيز الرَّقابة المجتمعيَّة على الإنفاق العام.
وأثبتت التَّجربة أنَّ تمكين المواطنين من الوصول إلى المعلومات يُعدُّ أحد أهم أدوات الحدِّ من الفساد؛ لأنَّه يقلِّل من احتكار المعلومات، ويعزِّز المساءلة.
الدَّرس المستفاد لليمن: لا يمكن الحديث عن شراكة حقيقيَّة في مكافحة الفساد في ظلِّ غياب الحقِّ في الوصول إلى المعلومات.
خامسًا: بلغاريا… المجتمع المدني يقود الرَّقابة
في بلغاريا، كانت المبادرة الأساسيَّة لمكافحة الفساد منطلقة من منظَّمات المجتمع المدني، التي أنشأت مراصد مستقلة لمتابعة مؤشِّرات الفساد، وإصدار تقارير دورية، وتنفيذ استطلاعات للرأي حول نزاهة المؤسَّسات العامَّة. وقد ساهمت هذه المبادرات في خلق ضغط مجتمعي متواصل دفع الحكومة إلى تبنِّي إصلاحات تشريعيَّة، وإداريَّة.
الدَّرس المستفاد لليمن: يمكن للمجتمع المدني أنْ يقود عمليَّة الإصلاح من خلال إنتاج المعرفة، وقياس الأداء، وتقديم بدائل عمليَّة، وليس فقط من خلال توجيه الانتقادات.
سادسًا: إستونيا… التَّحوُّل الرَّقمي بوابة للنَّزاهة
تعدُّ إستونيا من أبرز النماذج العالميَّة في توظيف الحكومة الإلكترونيَّة لتعزيز النَّزاهة. فقد أدَّى التَّحوُّل الرَّقمي إلى تقليص الاحتكاك المباشر بين الموظَّف، والمواطن، ونشر الخدمات الحكوميَّة إلكترونيًّا، وإتاحة البيانات العامَّة، ممَّا حدَّ من فرص الرَّشوة، والفساد الإداري.
الدَّرس المستفاد لليمن: كلَّما زادت الخدمات الرَّقميَّة، والبيانات المفتوحة، تقلَّصت فرص الفساد، خاصَّة في مجالات المشتريات العامَّة، والتَّراخيص، والخدمات الإداريَّة.
- ماذا يمكن أنْ يتعلَّم اليمن؟
رغم اختلاف السِّياقات السِّياسيَّة، والاقتصادية بين اليمن، وهذه الدُّول، إلاَّ أنَّ التَّجارب السَّابقة تكشف عن مجموعة من المبادئ المشتركة التي يمكن البناء عليها في الحالة اليمنيَّة:
- بناء شراكة مؤسَّسيَّة دائمة بين الحكومة، ومنظَّمات المجتمع المدني، بدلًا من العلاقات الموسميَّة المرتبطة بالمشروعات المموَّلة.
- ضمان حقِّ الوصول إلى المعلومات بصفته المدخل الأساس للرَّقابة المجتمعيَّة.
- توظيف التُّكنولوجيا، والبيانات المفتوحة، ومنصَّات الإبلاغ الرَّقميَّة لتعزيز الشَّفافيَّة.
- الاستثمار في التَّوعية المجتمعيَّة، والتَّربية على النَّزاهة، خاصَّة بين الشَّباب.
- إشراك الجامعات، والإعلام، والنَّقابات، والقطاع الخاص في المنظومة الوطنيَّة للنَّزاهة.
- دعم إنشاء مراصد مستقلَّة لمتابعة مؤشِّرات الفساد، وجودة الخدمات العامَّة.
- توفير الحماية القانونيَّة للمبلِّغين، والصّحفيِّين، ومنظَّمات المجتمع المدني.
- تعزيز الرَّقابة المجتمعيَّة على تنفيذ المشاريع العامَّة، والموازنات المحلِّيَّة.
تكشف التَّجارب الدُّوليَّة أنَّ مكافحة الفساد لا تبدأ من قاعات المحاكم، وإنَّما تبدأ ببناء الثِّقة بين الدُّولة، والمجتمع، وإتاحة المعلومات، وتمكين المواطنين من المشاركة في الرَّقابة، وصنع القرار. وفي السِّياق اليمني، قد لا يكون من الممكن استنساخ هذه التَّجارب بحذافيرها، إلاَّ أنَّ مبادئها الأساسيَّة تظلُّ قابلة للتَّطبيق، وفي مقدِّمتها الشَّراكة، والشَّفافيَّة، والمساءلة، والتَّحوُّل الرَّقمي، والمشاركة المجتمعيَّة. ومن هنا، فإنَّ نجاح أيّ استراتيجيَّة وطنيَّة لمكافحة الفساد في اليمن سيظلُّ مرهونًا بقدرتها على تحويل المجتمع المدني من مراقب خارجي إلى شريك مؤسَّسي فاعل في حماية المال العام، وتعزيز النَّزاهة.
تكشف هذه الورقة أنَّ مكافحة الفساد في اليمن لم تعد قضيَّة قانونيَّة أو إداريَّة فقط، بل أصبحت مدخلًا رئيسًا لاستعادة فاعليَّة الدُّولة، وتعزيز قدرتها على تقديم الخدمات، وبناء الثِّقة مع المواطنين. وفي ظلِّ استمرار الانقسام السِّياسي، والمؤسَّسي، فإنَّ الرِّهان على الأدوات التَّقليديَّة وحدها لن يكون كافيًا لإحداث تغيير ملموس، الأمر الذي يفرض تبنِّي مقاربة تشاركيَّة تجعل من الحكومة، والمجتمع المدني شريكين في حماية المال العام، وتعزيز قيم النَّزاهة، والشَّفافيَّة، والمساءلة.
لقد بيَّنت الورقة أنَّ البيئة التَّشريعيَّة اليمنيَّة، رغم ما تعانيه من تحدِّيات في التَّطبيق، تتضمَّن أسسًا قانونيَّة يمكن البناء عليها لتطوير شراكات مؤسَّسيَّة أكثر فاعليَّة، كما أظهرت أنَّ المجتمع المدني يمتلك من الإمكانات، والخبرات ما يؤهِّله للقيام بأدوار تتجاوز التَّوعية، والرَّصد؛ لتشمل المشاركة في تصميم السِّياسات، ومتابعة تنفيذ المشاريع العامَّة، وتقييم الأداء الحكومي، وتعزيز الرَّقابة المجتمعيَّة، شريطة توفير بيئة تمكينيَّة قائمة على حريَّة الوصول إلى المعلومات، وحماية المبلِّغين، وضمان استقلاليَّة العمل المدني، والإعلامي.
كما أكَّدت التَّجارب الدُّوليَّة أنَّ نجاح جهود مكافحة الفساد يرتبط بقدرة الدُّول على بناء منظومة متكاملة تقوم على الشَّفافيَّة، وإتاحة المعلومات، والتَّحوُّل الرَّقمي، والمشاركة المجتمعيَّة، وهي مبادئ يمكن تكييفها مع الواقع اليمني بما يراعي خصوصيَّاته السِّياسيَّة، والمؤسَّسيَّة. فالإصلاح لا يتحقَّق باستنساخ التَّجارب، وإنَّما بالاستفادة من دروسها، وتطويعها بما يخدم السِّياق الوطني.
وانطلاقًا من ذلك، تدعو هذه الورقة إلى الانتقال من العلاقة التَّقليديَّة القائمة على الشَّكِّ، والتَّوجُّس بين الحكومة، ومنظَّمات المجتمع المدني إلى علاقة قائمة على الثِّقة، والتَّكامل، وتقاسم المسؤوليَّة. فالمجتمع المدني ليس خصمًا للدَّولة، بل أحد مكوِّنات منظومة الحوكمة، كما أنَّ الحكومة ليست الطَّرف الوحيد المسؤول عن مكافحة الفساد، وإنَّما تقود جهدًا وطنيًّا تشارك فيه مختلف المؤسَّسات الرَّسميَّة، وغير الرَّسميَّة.
وأخيرًا، فإنَّ مستقبل النَّزاهة في اليمن لنْ تحدِّده كثرة الاستراتيجيَّات، أو التَّشريعات، وإنَّما مدى القدرة على تحويل مبادئ الشَّفافيَّة، والمساءلة إلى ممارسات مؤسَّسيَّة يوميَّة، وإشراك المواطنين في حماية المال العام، وتعزيز الرَّقابة المجتمعيَّة، وترسيخ ثقافة عدم التَّسامح مع الفساد. وعندما تصبح الشَّراكة بين الحكومة، والمجتمع المدني خيارًا استراتيجيًّا لا استجابة ظرفيَّة، يمكن عندها بناء منظومة حوكمة أكثر كفاءة، وعدالة تسهم في استعادة ثقة المواطنين بالدُّولة، وتدعم جهود التَّعافي، والتَّنمية، وبناء السَّلام في اليمن.
إنَّ بناء الدُّولة يبدأ من بناء الثِّقة، وبناء الثِّقة يبدأ من الشَّفافيَّة، والشَّفافيَّة لا تزدهر إلاَّ في ظلِّ شراكة حقيقيَّة بين الحكومة، والمجتمع المدني. ومن هنا، فإنَّ الاستثمار في هذه الشَّراكة ليس خيارًا تنمويًّا فحسب، بل هو ضرورة وطنيَّة؛ لضمان مستقبل أكثر نزاهة، واستقرارًا لليمن.
لتحميل الورقة أنقر هنا

اضف تعليقا