مشروع المجلس التنسيــقي الحضرمي الأعلى

قراءة نقديَّة في التركيبة السياسيَّة، والدستوريَّة

( ورقة بحثيَّة تحليليَّة )

تحليل المشروع السياسي للمجلس ووثائق المؤتمر العام التأسيسي

 

إعداد الباحث/

م.عبدالخالق عبدالله الهدار

رئيس مركز مداد حضرموت للأبحاث والدراسات الاستراتيجية

محلل سياسيات

 

الملخَّص التنفيذي:

تقرأ هذه الورقة المشروع السياسي للمجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى بوصفه محاولة لإعادة بناء موقع حضرموت في موازين التمثيل، والتفاوض، وتوزيع السلطة، والثروة، لا بوصفه مجرَّد وثيقة مطالب، أو حدثًا تنظيميًّا. وتجمع القراءة بين تحليل سياسي يفكِّك نشأة المجلس، ووظيفته التفاوضيَّة، وحدود تمثيله، وتحليل دستوري يختبر شكل الدولة، والوحدة الإقليميَّة، وتوزيع الاختصاصات، والموارد، والأمن، والضمانات. ويستند التحليل إلى المسودَّة الأولى للمشروع، ورؤية حضرموت للحوار الجنوبي، والبيان، والقرارات الصادرة عن المؤتمر العام التأسيسي في المكلا في الحادي والثلاثين من أغسطس 2026م، وإلى المرجعيَّات الحضرميَّة، واليمنيَّة ذات الصلة.

فالمشروع يُمثِّل انتقالًا مهمًّا من خطاب الحقوق الحضرميَّة إلى محاولة بناء طرف سياسي يملك تعريف القضيَّة، وتشكيل الوفود، وربط السلطة بالثروة، والأمن. غير أنَّ هذا الانتقال لم يكتمل مؤسَّسيًّا ودستوريًّا؛ فمجال الحقوق، والسقوف التفاوضيَّة أوضح من آليَّات التفويض، وحدود الإقليم، وقوائم الاختصاصات، والنظام المالي، والعدالة الداخليَّة، والضمانات التي تدير الخلاف أثناء استمرار أيِّ اتحاد.

أوَّلًا – التراكم السياسي: لا يبدأ المجلس من فراغ؛ فقد سبقته مؤتمرات، ووثائق تمَّ إقرارها من قبل مكوِّنات، وإجماع أغلب مكوِّنات الطيف الحضرمي. وتتمثَّل إضافته المحتملة في جمع التنسيق، والمرجعيَّة، وتشكيل الوفود داخل مؤسَّسة واحدة؛ وإشراف مباشر من أعلى هرم السلطة في المحافظة، بينما يتمثَّل اختباره فيما إذا كان سيقلِّل تعدُّد مراكز الادعاء بالتمثيل، أم يصبح مركزًا إضافيًّا بينها.

ثانيًا – الهويَّة والتمثيل: تتجاور في الوثائق صفتان غير متطابقتين: المجلس إطار تنسيقي يحفظ استقلال مكوِّناته، وهو في الوقت نفسه الحامل السياسي المعبِّر عن الإرادة الحضرميَّة الجامعة. وقد أثبت المؤتمر شرعيَّة تأسيسية للمشاركين، لكنَّه لم ينشر بيانات تكفي لقياس التوازن الجغرافي، والسياسي، والاجتماعي، أو نطاق تفويض الحاضرين؛ لذلك يستطيع المجلس تمثيل أعضائه، وبناء شرعيَّة تفاوضيَّة، من دون أنْ يصبح ذلك دليلًا مكتملًا على احتكار التمثيل الحضرمي.

ثالثًا – الوظيفة التفاوضيَّة: أكثر عناصر المشروع اتساقًا هو رفض تمثيل حضرموت عبر طرف حكومي، أو جنوبي، أو حزبي آخر، وتقديمها طرفًا أصيلًا مستقلًّا، ونديًّا في الحوار الجنوبي، وأيّ تسوية مقبلة. غير أنَّ النديَّة التفاوضيَّة لا تنتج من الوصف وحده؛ فهي تتوقَّف على قاعدة التفويض، ووحدة الموقف، وقبول الأطراف الأخرى بأنَّ المجلس عنوان لا يمكن تجاوزه.

رابعًا –سؤال الانتماء: لا تعرض المسودَّة الفيدراليَّة، والحكم الذاتي، والاستقلال كبدائل متساوية؛ بل ترتِّب مسارًا يبدأ بإقليم داخل دولة اتحاديَّة، ويجعل الحكم الذاتي حدًّا أدنى، ثمَّ يفتح إعادة تحديد المركز السياسي -بما فيها الاستقلال- عند فشل الاتحاد، أو الإخلال بعقده. أمَّا البيان الختامي فجعل الفيدراليَّة خيارًا قابلًا للنقاش، مع إبقاء النديَّة الحضرميَّة. وبذلك بقي سؤال إلى من تنتمي حضرموت؟ مفتوحًا بين الدائرة اليمنيَّة، والجنوبيَّة، والحضرميَّة المستقلَّة.

خامسًا – البنية الدستوريَّة: يتجاوز المشروع اللامركزيَّة الإداريَّة في الدستور النافذ، كما لا يطابق مسودَّة دستور 2015م. فإقليم حضرموت في تلك المسودَّة يضمُّ حضرموت، والمهرة، وشبوة، وسقطرى، بينما يميل مشروع المجلس إلى التعامل مع حضرموت الحاليَّة ككيان مستقل، ومع المحافظات الشرقيَّة كشركاء حوار. كما أنَّ عبارة كامل الصلاحيَّات تحدِّد اتجاه نقل السلطة، لكنَّها لا تحدِّد قوائمها، أو الاختصاصات المتبقيَّة، أو قواعد التعارض بين الاتحاد، والإقليم.

سادسًا – الثروة والعدالة: يحقِّق المشروع نقلة مهمَّة بجعل الموارد أساسًا للقدرة على الحكم، لكنَّه يخلط أحيانًا بين ملكيَّة المورد، وإدارته، وتحصيل إيراده، وتوزيعه. وقد تُعدُّ نسبة 70% في المسودَّة عن سقف اتحادي نهائي، ونسبة 20% في البيان عن استحقاق انتقالي؛ إلاَّ أنَّ غياب النص الرابط بينهما يبقي الرسالة الماليَّة مزدوجة. وتظلُّ العدالة داخل حضرموت الحلقة الأضعف، لغياب معادلة تربط مناطق الإنتاج، والسكَّان، والاحتياج، والضرر البيئي.

تنتهي الورقة إلى أنَّ المشروع وثيقة موقف سياسي، ودستوري متقدِّمة، وقابلة للاستخدام التفاوضي، لكنَّه لا يزال بحاجة إلى استكمال حتى يشكِّل نموذج حكم مكتملًا. فقوَّة المشروع في إعادة تعريف حضرموت كوحدة سياسيَّة ذات قرار، وموارد، وتمثيل، وهو ما اتفقت عليه أغلب الوثائق التي صيغت من المكوِّنات السابقة. أمَّا مواطن عدم اكتماله فتتمثَّل في الفجوة بين الاتساع التمثيلي، والادعاء الجامع، وبين الحقوق، والمؤسَّسات، وبين عدالة حضرموت مع المركز، وعدالة مناطق حضرموت فيما بينها.

المنهجيَّة:

سياق الورقة، ومشكلتها:

تأتي هذه الورقة في لحظة يتقاطع فيها الحراك السياسي الحضرمي مع مسارات أوسع تتعلَّق بمستقبل الدولة اليمنيَّة، والحوار الجنوبي، وترتيبات التسوية، وإدارة المحافظات المنتجة للموارد. وفي هذا السياق أعلن المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى مشروعًا سياسيًّا يحاول نقل حضرموت من موقع المحافظة التي تُدار مطالبها عبر مؤسَّسات، أو وفود أخرى إلى موقع الطرف الذي يشكِّل رؤيته، ويختار ممثِّليه، ويطالب بسلطات، وموارد، وأمن، وضمانات دستوريَّة. ثمَّ جاء المؤتمر العام التأسيسي؛ ليمنح هذه المحاولة مؤسَّسة، وقيادة، وعضويَّة، وقرارات.

تتمثَّل مشكلة البحث في أنَّ الوثائق تجمع مستويات مختلفة داخل خطاب واحد: تنسيق المكوِّنات، وادعاء المرجعيَّة السياسيَّة، وتمثيل حضرموت تفاوضيًّا، وتحديد شكل الدولة، وإدارة الثروة، والأمن، ودعم السلطة المحلِّيَّة، وبناء شراكات إقليميَّة. ويجعل هذا الجمع المشروع أوسع من برنامج تنظيمي، لكنَّه يثير أسئلة عن وظائفه، ونطاق التفويض، والوحدة السياسيَّة المقصودة بحضرموت، والفرق بين سقف المطالب، وبنية الحكم القابلة للتنفيذ.

المنهج، والمصادر:

تعتمد الورقة على تحليل المضمون السياسي، والدستوري، ومقارنة النصوص، والمرجعيَّات ذات الصلة. وتميز بين ما ورد في المسودَّة الأولى، وما أقرَّه المؤتمر التأسيسي، مع توضيح أوجه الاتفاق، والاختلاف بينهما. كما تضع مشروع المجلس في سياق المحاولات الحضرميَّة السابقة، وتقارنه بثلاثة تصوُّرات لموقع حضرموت: الدولة الموحَّدة وفق الدستور النافذ، والدولة الاتحاديَّة وفق مخرجات الحوار الوطني، ومسودَّة دستور 2015م، والتصور الذي يطرحه المجلس، والقائم على اتفاق واضح، وضمانات خاصَّة لحضرموت. ولا تنطلق الورقة من أحكام مسبقة، بل تطرح مجموعة من الأسئلة، ثمَّ تجيب عنها بالاستناد إلى نصوص الوثائق، وتحليل مضمونها.

تتكوَّن المادة الأساسيَّة من المسودَّة الأولى للمشروع السياسي، ورؤية الحوار الجنوبي، والبيان السياسي، والقرارات الستَّة والخمسين للمؤتمر التأسيسي، وما أمكن الوصول إليه من تغطيات رسميَّة، وإعلاميَّة للمؤتمر، والوثائق الحضرميَّة السابقة، والدستور اليمني، ووثيقة الحوار الوطني، ومسودَّة دستور 2015م، إلى جانب مراجع مقارنة في الفيدراليَّة، وتقاسم إيرادات الموارد، وبناء الشرعيَّة.

المبحث الأول: القراءة السياسيَّة للمشروع، والمجلس

1. المجلس في سياق البحث الحضرمي عن مرجعيَّة سياسيَّة جامعة:

1.1 ليست المحاولة الأولى:

استندت الرؤية السياسيَّة للمجلس التنسيقي على إرث سياسي حضرمي سابق، فتعاملت مع المشروع بوصفه امتدادًا لهذا الإرث، والمحاولات السابقة التي كانت تصب في وحدة الصف، ووحدة المشروع السياسي لحضرموت. يأتي هذا الإقرار؛ لينفي ضمنًا أنَّ المجلس يبدأ من فراغ، بل يضع مشروعيَّته في سلسلة تراكميَّة، وخبرات سابقة، وجهود من سبقوا لا في قطيعة مع ما سبق.

فقد قدَّمت وثيقة (حضرموت الرؤية، والمسار) 2011م محاولة مبكِّرة لاستخلاص قاسم مشترك بين الأحزاب، والهيئات، والشخصيَّات الحضرميَّة، وربطت الحدَّ السياسي الأدنى بقيام حضرموت إقليمًا في نظام اتحادي، وبتمثيلها في صياغة الدستور، ومؤسَّسات الدولة على أساس المساحة، والسكَّان، والثروة، والمكانة التاريخيَّة. كانت أهميَّتها في إنتاج لغة سياسيَّة مشتركة تتجاوز المطالب الخدميَّة، لكنَّها بقيت في الأساس إطار رؤية، واصطفاف، ولم تتحوَّل إلى سلطة تنظيميَّة تنظِّم القرار الحضرمي.

أمَّا حلف قبائل حضرموت، الذي تأسَّس في 2013م وارتبط بالهبَّة الحضرميَّة، فقد نقل جانبًا من المطالب من مجال الوثيقة إلى مجال الضغط الميداني، ولا سيما في قضايا الثروة، وأمن حضرموت، وتمكين أبنائها. ثمَّ جاء مؤتمر حضرموت الجامع في 2017م بوصفه محاولة أوسع لدمج المجتمع القبلي، والمدني، والسياسي، والاجتماعي في مؤتمر عام، برعاية المحافظ آنذاك الأستاذ أحمد بن بريك، وقد صدر عن المؤتمر التأسيسي له وثيقة سياسيَّة، وحقوقية، ومخرجات، وقدّم نفسه مرجعيَّة جامعة. لاحقًا، أطلقت مشاورات الرياض في 2023م مجلس حضرموت الوطني، وضمَّ فيه مختلف المكوِّنات الحضرميَّة، ولم تصدر عنه حتى الآن وثيقة سياسيَّة. وجاء بعده ميثاق الشرف الحضرمي، مع خطاب يقوم هو الآخر على وحدة الصف، والقرار، وعلى عدم إلغاء المكوِّنات القائمة.

تكشف هذه المحطَّات المتراكمة، وغيرها ممَّا لم يتم ذكره أنَّ المشكلة الحضرميَّة لم تكن غياب الوثائق، أو انعدام الأطر؛ بل تعدُّد الأطر التي تستخدم المفردات نفسها: الجامع، والمرجعيَّة، ووحدة الصف، واستقلال القرار، وحقوق الثروة، والتمثيل العادل. ومن هنا فإنَّه لا تُقاس القيمة السياسيَّة للمجلس الجديد بمجرَّد إعادة إنتاج هذه المفردات، وإنَّما بما يضيفه إلى آليَّات تنسيقها، وتنفيذها على أرض الواقع، وبما إذا كان يقلِّل عدد مراكز الادعاء بالتمثيل، أم يصبح مركزًا إضافيًّا بينها.

1.2 ما الذي يحاول المجلس إضافته؟

يختلف المجلس التنسيقي في أنَّه يحاول تركيب ثلاث، وظائف داخل بنية واحدة: مظلَّة تنسيق تحفظ استقلال المكوِّنات؛ ومرجعيَّة سياسيَّة تصوغ موقفًا حضرميًّا؛ وأداة تفاوض تشكِّل الوفود، وتدير المشاركة في الحوارات، والتسويات. هذا الجمع يمنحه طموحًا يتجاوز التنسيق التقليدي. فالمجلس لا يريد فقط تقريب المواقف، بل الانتقال من تعدُّد الأصوات إلى إنتاج موقف يمكن التفاوض باسمه، ومن المطالب المتفرِّقة إلى برنامج سياسي، ومؤسَّسات، ولجان، ومكاتب داخل حضرموت، وخارجها.

غير أنَّ الوظائف الثلاث ليست متطابقة؛ فالتنسيق يقوم على بقاء القرار الأصلي لدى المكوِّنات، بينما تتطلَّب المرجعيَّة قدرًا من إلزامها، ويحتاج التفاوض إلى تفويض يتيح للوفد الالتزام، والتسوية. كلَّما اتجه المجلس من الوظيفة الأولى إلى الثالثة، انتقل من شبكة تعاون بين أطراف متساوية إلى مركز قرار فوقها، أو ممثِّل عنها. وتظهر المسودَّة، والبيان معًا أنَّ هذا الانتقال حاصل بالفعل، لكنَّه لم يُحسم نظريًّا، أو إجرائيًّا: فالميثاق يحافظ على التعدُّد، في حين تجعل الوثائق مخرجات المؤتمر ملزمة، وتفوِّض هيئة الرئاسة بتشكيل الوفود، ومراجعة الوثائق، وملء الشواغر.

من هنا تتمثَّل الإضافة المحتملة للمجلس في أنَّه يسعى إلى جعل الموقف التفاوضي عمل مؤسَّسي في قرار واحد، بينما يتمثَّل مأزقه الأول في أنَّ نجاح هذه الخطوة قد يُقرأ لدى المكوِّنات غير المنضوية فيه بوصفه انتقالًا من التنسيق معها إلى تمثيلها من دون تفويضها. هذه المشكلة ليست خللًا لغويًّا محدودًا في الصياغة؛ بل إنِّها جوهر العلاقة بين المجلس، وبقيَّة الأطر الحضرميَّة، وعلى المجلس تجاوزها، وحلَّها إذا لم يرد الخلاف بينه، وبين بقيَّة المكوِّنات.

2. هويَّة المجلس السياسيَّة: بين التنسيق، والحامل السياسي

2.1 ازدواج التعريف:

يقدَّم المجلس في الخطاب التأسيسي بوصفه إطارًا تنسيقيًّا جامعًا -دون إلغاء خصوصيَّة أيّ مكوِّن، أو مصادرة قراره-، وهي صياغة تتيح للمكوِّنات الاحتفاظ بهويَّاتها، ومواقفها. غير أنَّ المسودَّة تمنحه تعريفًا أعلى سقفًا حين تنص على أنَّ (المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى هو الحامل السياسي، والإطار التمثيلي التوافقي المعبِّر عن الإرادة الحضرميَّة الجامعة)، وتجعل مشروعه، ورؤيته المرجعيَّة التي تحكم مشاركة حضرموت في الحوار، والتفاوض.

المسافة بين التعريفين واسعة؛ -الإطار التنسيقي- يستمد قيمته من الأطراف التي تشارك فيه، أمَّا -الحامل السياسي المعبِّر عن الإرادة الجامعة- فينسب إلى نفسه صفة تمثيليَّة تتجاوز عضويَّته التنظيميَّة. ولا تحلُّ كلمة التوافقي هذه الفجوة ما لم يكن التوافق محدَّد الأطراف، ومعلوم الإجراءات. فالوثيقة لا تكتفي بالقول إنَّ المجلس يعبِّر عن أعضائه، بل تجعله حاملًا لقضيَّة حضرموت، ومرجعًا لوفدها، وهو ادعاء يحتاج إلى سند تمثيلي أوسع من مجرَّد التأسيس التنظيمي.

في المقابل، لا يعني هذا أنَّ المجلس عاجز عن أداء وظيفة تمثيليَّة. الائتلافات السياسيَّة لا تحتاج إلى ضمِّ كلِّ فرد، أو كلِّ مكوِّن حتى تتفاوض؛ لكنَّها تحتاج إلى وضوح نطاق التفويض: هل يُمثِّل المجلس القوى المنضوية فيه، أم يُمثِّل حضرموت بوصفها مجتمعًا سياسيًّا، أم يقود وفدًا مشتركًا يضمّ قوى من خارجه؟ الوثائق تميل إلى الاحتمال الثاني، بينما آليَّات المؤتمر المتاحة للعامَّة تثبت بصورة أوضح الاحتمال الأوَّل.

2.2 الجمع بين المجتمع، والسلطة:

يتشكَّل المجلس من مكوِّنات سياسيَّة، ومجتمعيَّة، ومدنيَّة، لكنَّه يُقاد في لحظة التأسيس بواسطة الأستاذ سالم أحمد الخنبشي بصفته عضو مجلس القيادة الرئاسي، ومحافظًا لحضرموت. بذلك لا ينشأ المجلس من خارج مؤسَّسات الدولة، ولا يندمج فيها بالكامل؛ بل يحتلُّ منطقة وسط بين إطار مجتمعي تفاوضي، وامتداد سياسي للسلطة المحلِّيَّة. وهذا يمنحه منفذًا مباشرًا إلى القرار الرسمي، ويزيد قوَّته، ووحدة صفه، لكنَّها تجعل استقلاله السياسي موضع اختبار دائم.

3. المؤتمر العام التأسيسي: تأسيس المؤسَّسة، أم تثبيت مركز القيادة؟

3.1 ما الذي غيّره المؤتمر سياسيًّا؟

نقل مؤتمر الحادي والثلاثين من أغسطس المجلس من لجنة تحضيريَّة، ومشروع وثائق إلى مؤسَّسة معلنة ذات رئيس، وجمعيَّة عموميَّة، ووثائق ملزمة، وتفويضات تنفيذيَّة. فقد زكّى المؤتمر الخنبشي رئيسًا، وأقر المشروع السياسي، ورؤية الحوار الجنوبي، والنظام الأساسي، وميثاق الشرف، وعدَّ المخرجات مرجعيَّة ملزمة، وثبَّت عضويَّة المشاركين، والمتعذر حضورهم من حضارم المهجر، وفوَّض الرئيس بتشكيل هيئة الرئاسة، وفوَّض هيئة الرئاسة بتشكيل الوفود، والهيئات، واللجان، ومراجعة الوثائق، وملء الشواغر. بهذا المعنى، لم يكن المؤتمر احتفالًا بالإشهار فقط، بل لحظة نقل سلطة المجلس من اللجنة التحضيريَّة إلى قيادة سياسيَّة ومؤسَّسات دائمة.

تنبع أهميَّة هذه النقلة من أنَّ عددًا من المحاولات السابقة واجه فجوة بين الإعلان، وبناء الجهاز المؤسَّسي. لكنَّ المؤتمر الجديد عالج الفجوة عبر تركيز صلاحيَّات واسعة في الرئيس، وهيئة الرئاسة قبل إعلان تركيبها. فالقرار الأوَّل لا ينتخب هيئة الرئاسة من المؤتمر، بل يفوِّض الرئيس باختيارها، وإعلانها خلال أسبوعين، مع توسيع التشاور. كما يمنح القرار السَّادس والأربعون الهيئة حقَّ إنشاء هيئات، ولجان كلَّما اقتضت الحاجة، ويمنحها القرار الخمسون مراجعة الوثائق، والقرار الثاني والخمسون ملء شواغرها.

سياسيًّا، أنتج المؤتمر شرعيَّة تأسيسيَّة واضحة داخل القاعة، لكنَّه لم يحسم الشرعيَّة التمثيليَّة خارجها. كما أنَّه اختار منطق التوافق، والتزكية، والتعيين لتجنُّب صراع انتخابي مبكِّر، وهو خيار مفهوم في بناء ائتلاف ناشئ، إلاَّ أنَّه يجعل التوازن الفعلي مرهونًا بتركيبة هيئة الرئاسة التي لم تكن منشورة عند إعداد المبحث؛ لذلك لا يمكن تقويم توزيع القوَّة داخل المجلس من البيان وحده؛ لأنَّ النص فوّض مؤسَّسة لم يُعلن قوامها بعد.

3.2 المعيار الصحيح ليس الإجماع الكامل:

لا يمكن مطالبة أي مجلس سياسي بضم جميع الحضارم، ولا يجعل غياب الإجماع الكامل التأسيس باطلًا أو عديم القيمة. المعيار الأكثر واقعيَّة هو اتساع الطيف الذي شارك، وتوازن الحضور الجغرافي، والسياسي، والاجتماعي، وشفافيَّة اختيار المندوبين، وقدرة المكوِّنات على مساءلة من يمثِّلها. ومن هذه الزاوية، تُظهِر التحضيرات، والمؤتمر جهدًا في استيعاب النقاط السابقة، ومن هنا تبرز إحدى نقاط القوة لهذا المجلس الذي سعى إلى تمثيل أعلى لكافة شرائح المجتمع.

لكن هذه المؤشِّرات الإيجابيَّة على اتساع المشاركة، لا تكفي وحدها للحكم على وزنها. فالتنوُّع الوصفي لا يساوي التوازن التمثيلي: قد تحضر فئات كثيرة بأعداد رمزيَّة، وقد تغيب كتل أقلّ عددًا لكنَّها أوسع تأثيرًا ميدانيًّا.

3.2 القوى الغائبة، أو المتحفِّظة ليست هامشًا:

تزداد حساسيَّة التمثيل؛ لأنَّ المجلس لا يعمل في ساحة خالية؛ فهناك حلف قبائل حضرموت، ومؤتمر حضرموت الجامع، ومجلس حضرموت الوطني، وقوى حزبيَّة، وجنوبيَّة، وشخصيَّات، ومبادرات للحكم الذاتي. وبعض هذه الأطراف يملك تاريخًا تنظيميًّا، أو حضورًا اجتماعيًا، أو قدرة تعبئة لا يمكن قياسها بعدد المقاعد في مؤتمر واحد.؛ لذلك لا ينحصر سؤال التمثيل في مَنْ حضر، بل يشمل من لم يشارك، ولماذا؟ وما الوزن الذي يمثِّله؟ وقد عكست مواد صحفيَّة قبيل المؤتمر مواقف متحفِّظة تشكَّك في جامعِيَّته، وهي لا تثبت وحدها ضعف المجلس، لكنَّها تثبت وجود نزاع فعلي على من يملك حقّ الكلام باسم حضرموت.

4. إلى من تنتمي حضرموت سياسيًّا؟

4.1 إعادة تعريف موقع حضرموت في التفاوض:

أوضحت عناصر المشروع رفض التمثيل غير المباشر؛ إذْ تنصُّ المسودَّة على أنَّ حضرموت (طرف أصيل، ومستقلٌّ وندِّيٌّ، وشريك كامل الحقوق) في مسارات الحوار، والتفاوض المتعلِّقة بمستقبل اليمن، والجنوب، ومحافظات الشرق، وترفض إلحاق تمثيلها بأيِّ طرف آخر. كما تنصُّ على أنَّ المشاركة تكون عبر (وفد حضرمي مستقلّ من المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى). وأعاد البيان الختامي تثبيت هذه الوظيفة حين وصف حضرموت بأنَّها قضيَّة سياسيَّة، ومشروع سياسي مستقلّ، ومشاركة حضرموت في الحوار الجنوبي بوصفها طرفًا أصيلًا مستقلًّا يحظى بالنديَّة، والشراكة، ثمَّ فوَّض هيئة الرئاسة بتشكيل الوفود في الحوار الجنوبي، وأيّ مفاوضات مستقبليَّة.

الدلالة السياسيَّة هنا تتجاوز طلب زيادة عدد المقاعد في المفاوضات، والاستحقاقات القادمة؛ فالمشروع يقاوم نوعين من التمثيل: تمثيل حضرموت بعدِّها محافظة تابعة للمركز، وتمثيلها بعدِّها جزءًا تابعًا لوفد جنوبي واحد. وفي الحالتين يطالب المجلس بتحويل حضرموت من موضوع تفاوض بين الآخرين إلى طرف ثالث يشارك في تحديد جدول الأعمال، والنتائج والاستحقاق. وبذلك يصبح إنشاء المجلس مرتبطًا مباشرة بالاستحقاق التفاوضي المتوقَّع في اليمن، والجنوب، لا بمجرَّد إعادة تنظيم السياسة المحلِّيَّة.

4.2 موقع حضرموت في الترتيبات السياسيَّة المستقبليَّة

يُمثِّل هذا السؤال جوهر الخلاف بين المشاريع الحضرميَّة، ولا يقتصر على اختيار شكل الحكم بين المركزيَّة والفيدراليَّة، بل يتعلَّق بموقع حضرموت في الترتيبات السياسيَّة المقبلة: هل تكون إقليمًا ضمن دولة يمنيَّة اتحاديَّة؟ أم طرفًا في دولة جنوبيَّة محتملة؟ أم تتمتَّع بحكم ذاتي كامل الصلاحيَّات؟ أم تتَّجه نحو الاستقلال إذا تعذَّر التوصُّل إلى صيغة اتحاديَّة، أو تعاقديَّة تضمن حقوقها؟

تُبيِّن القراءة للمسودَّة أنَّها لا تضع ثلاثة خيارات متساوية كما قد توحي بعض الصياغات المختصرة، بل تبني سلمًا سياسيًّا مشروطًا. في قاعدته، تتبنَّى قيام إقليم حضرموت داخل دولة اتحاديَّة بوصفه الخيار الدستوري الرئيس – مخرجات مؤتمر الحوار الوطني-. ثمَّ تعتمد الحكم الذاتي، والحكم الفيدرالي بعدِّهما الحد الأدنى لإدارة حضرموت شؤونها. وبعد ذلك تقرِّر حق الإقليم في إنهاء عضويَّته في الاتحاد عند الإخلال بالعقد الاتحادي، وتذهب في موضع آخر إلى أنَّ فشل النظام الاتحادي، أو فرض ترتيبات تنتقص من الحقوق يمنح أبناء حضرموت حقَّ إعادة تحديد مركزها، بما في ذلك قيام حضرموت دولة مستقلَّة بذاتها.

المسودَّة صيغت كترتيب مرحلي: اتحاد فيدرالي بوصفه الخيار الأوَّل، وحكم ذاتي واسع بوصفه ضمانة أقلّ، ثمَّ إعادة تقرير المركز السياسي -حتى الاستقلال- بوصفها نتيجة محتملة لفشل العقد، وهي نقطة القوَّة في هذا الموضوع – حقّ تقرير المصير- وإنْ لم تصفها المسودَّة بهذا الوصف. وهذا الترتيب يمنح المشروع سقفًا تفاوضيًّا مرتفعًا، ويحاول الجمع بين الواقع، والحقّ في التراجع على أسس، واشتراطات.

5. الثروة، والموارد، والعدالة الجغرافيَّة:

5.1 الموارد في الوثيقة ليس مطلبًا ماليًّا بل أساسًا لإعادة توزيع القوَّة:

يُعدُّ ملف الموارد من أهم محاور المشروع؛ لأنَّ قدرة حضرموت على إدارة إيراداتها ترتبط مباشرة بقدرتها على إدارة شؤونها. ولا تقتصر المسودَّة على المطالبة بحصَّة ماليَّة، بل تدعو إلى تمكين حضرموت من إدارة مواردها، وممارسة صلاحيَّاتها التشريعيَّة، والتنفيذيَّة والماليَّة، وبناء مؤسَّساتها الأمنيَّة، ومراجعة العقود المبرمة منذ عام 1993م، ومحاسبة المسؤولين عن سوء إدارة الثروة، وضمان حقوق الأجيال القادمة؛ لذلك تُعامِل المسودَّة الموارد بوصفها أساسًا لتعزيز قدرة حضرموت على اتخاذ قراراتها، وليس مجرَّد مصدر لتمويل التنمية، والخدمات.

5.2 نسبة 70%، وحصَّة 20%: اختلاف المستوى أم تراجع السقف؟

تنصُّ المسودَّة مرَّتين على حصول حضرموت على ما لا يقل عن 70% من عائدات النفط، والغاز، والمعادن، مع النصِّ على ذلك في الدستور الاتحادي، وأيّ اتفاق ملزم. أمَّا البيان الختامي فيرفض استئناف تصدير النفط قبل ضمان حصَّتها البالغة 20%، وتنفيذ بيان مجلس القيادة الرئاسي الصادر في السَّابع من يناير 2025م.

لا يثبت هذا الاختلاف أنَّ المؤتمر خفّض السقف من 70% إلى 20%. فمن الممكن سياسيًّا، وماليًّا أنْ تكون 20% حصَّة انتقاليَّة قائمة في الترتيبات الراهنة، وأنْ تكون 70% قاعدة مقترحة للنظام المستقبلي.

سياسيًّا، نسبة 20% لها ميزة بأنَّها مربوطة بقرار رسمي سابق، وقد تمَّ تنفيذها قبل إيقاف التصدير، بينما تؤدِّي نسبة 70% دورًا تأسيسيًّا في التفاوض المستقبلي.

لكن عدم التباين بين النسبتين يضعف الموقف التفاوضي للمجلس؛ فقد تعتمد الأطراف الأخرى نسبة 20% بعدِّها القرار الرسمي الصادر عن المؤتمر، بينما تنظر إلى نسبة 70% الواردة في المسودَّة بوصفها مجرَّد مقترح غير ملزم؛ لذلك يتطلَّب حسم هذا التباين نشر النسخة النهائيَّة من المشروع السياسي، وتحديد المطلب المعتمد بوضوح في الرؤية التفاوضيَّة التي كُلِّفت قيادة المجلس بإعدادها.

6. العلاقة بالسلطة، وبالسعوديَّة: حدود الاستقلال السياسي للمجلس

6.1 السلطة المحلِّيَّة: التكامل، وتعارض الأدوار

يجمع المشروع بين تمثيل حضرموت سياسيًّا، ودعم السلطة المحلِّيَّة. فقد نصَّ البيان على إنشاء مجلس اقتصادي استشاري تابع للمجلس التنسيقي بالتنسيق مع السلطة المحلِّيَّة، كما أكَّد أنَّ المجلس سيكون مساندًا للمؤسَّسات الرسميَّة، والأمنيَّة، والعسكريَّة. وقد يساعد هذا التقارب على تحويل الرؤى، والمطالب إلى إجراءات عمليَّة، خاصَّة أنَّ رئيس المجلس يشغل أيضًا منصبي محافظ حضرموت، وعضو مجلس القيادة الرئاسي. لكنَّه يجعل المجلس أقرب إلى تحالف سياسي مساند للسلطة المحلِّيَّة منه إلى إطار مستقل عنها.

لا يعني ذلك بالضرورة وجود خلل؛ فقد تحتاج حضرموت، في المرحلة الراهنة، إلى إطار يجمع بين الحضور الرسمي، والتأييد المجتمعي. لكن تداخل الأدوار يثير أسئلة مهمَّة حول الرقابة، والمساءلة: إذا تراجعت الخدمات، أو لم تحصل حضرموت على حصَّتها من الموارد، فهل يراقب المجلس أداء السلطة المحلِّيَّة، أم يدافع عنها؟ وهل يساندها في الضغط على الحكومة المركزيَّة؟

6.2 السعوديَّة: شراكة استراتيجيَّة

تحضر المملكة العربيَّة السعوديَّة في المسودَّة، والبيان حضورًا يتجاوز المجاملة الدبلوماسيَّة. فالمشروع يخصِّص محورًا للشراكة الحضرميَّة – السعوديَّة، ويشيد بالقيادة السعوديَّة، ووزير الدفاع، ويقرِّر المؤتمر فتح مكتب تمثيلي في الرياض، وتوسيع التعاون في الأمن، والتنمية، والاستثمار، والتعليم، والثقافة. وينتهي البيان إلى عدِّ أمن المملكة، واستقرارها جزءًا أصيلًا من أمن حضرموت، واليمن.

يعكس هذا التوجُّه قضيَّة جغرافيَّة، وسياسيَّة: حدود طويلة، وامتدادات اجتماعيَّة واقتصاديَّة، ودور سعودي في نهاية 2025م في معادلة الدولة اليمنيَّة. كما قد يوفِّر للمجلس قناة اعتراف، ودعم في أيِّ مفاوضات مقبلة. لكنَّه قد يحمل أيضًا أثرًا على الصورة الاستقلاليَّة للمجلس؛ فكلَّما كانت العلاقة مع دولة علاقة تأسيسيَّة في الهويَّة، أصبح من السهل تفسير المشروع أنَّه تنافس إقليمي. ولكن هذا الاختيار أيضًا قد لا ينفي استقلال المشروع، لكنَّه يوضِّح موقعه السياسي في شبكة التحالفات.

خلاصة المبحث الأوَّل:

أسفر المؤتمر عن تأسيس مجلس يستند إلى تأييد القوى، والشخصيَّات المشاركة فيه، ولديه فرصة للتحوُّل إلى طرف حضرمي مستقلّ في الحوارات، والمفاوضات المقبلة. لكنَّه لا يُمثِّل حتى الآن مرجعيَّة نهائية، أو وحيدة لجميع القوى الحضرميَّة. وتتمثَّل أبرز نقاط قوَّته في جمع قضايا التمثيل السياسي، والتفاوض، والموارد، والأمن ضمن رؤية واحدة. في المقابل، تبرز عدَّة ملاحظات، عدم وضوح الخيار السياسي النهائي لحضرموت، وتداخل أدوار المجلس مع السلطة المحلِّيَّة، والتفاوت بين المطالب المتعلِّقة بحصَّة حضرموت من الإيرادات.

المبحث الثاني: القراءة الدستوريَّة لبنية الدولة، والإقليم

1. ثلاث مرجعيَّات دستوريَّة لا مرجعيَّة واحدة:

1.1 الدستور النافذ: حضرموت وحدة إداريَّة في دولة موحَّدة

يقرِّر دستور الجمهوريَّة اليمنيَّة في مادته الأوَّلى أنَّ الجمهوريَّة وحدة لا تتجزَّأ، ويجعل الشعب مالك السلطة، ومصدرها. وفي باب السلطة المحلِّيَّة تقسِّم المواد (145-147) أراضي الجمهوريَّة إلى وحدات إداريَّة، وتمنحها مجالس محلِّيَّة، وشخصيَّة اعتباريَّة، وتعتمد اللامركزيَّة الإداريَّة، والماليَّة أساسًا للإدارة المحلِّيَّة؛ لكنَّها تبقي المحافظين مسؤولين أمام رئيس الجمهوريَّة، ومجلس الوزراء، وتجعل الوحدات، والمجالس جزءًا لا يتجزَّأ من سلطة الدولة. ضمن هذا الإطار لا تتمتَّع حضرموت بسلطة دستوريَّة أصلية، أو بدستور إقليمي، أو برلمان خاص، بل بصلاحيَّات إداريَّة، وماليَّة يحدِّدها المركز.

المسافة بين هذا النموذج القائم حاليًّا، ومشروع المجلس ليست مسافة توسَّع تدريجي في اختصاصات المحافظة. فالمطالبة بسلطة تشريعيَّة، وتنفيذيَّة، وماليَّة، وأمنيَّة تعني الانتقال من اللامركزيَّة الإداريَّة إلى لامركزيَّة سياسيَّة، أو فيدراليَّة، أيّ من صلاحيَّات مفوّضة، أو منظَّمة مركزيًّا إلى صلاحيَّات أصليَّة يحميها الدستور. ولهذا لا يمكن استيعاب جوهر المشروع بمجرَّد تعديل أداء السلطة المحلِّيَّة؛ إنَّه يفترض إعادة تأسيس العلاقة بين حضرموت، والمركز على مستوى أعلى من التقسيم الإداري القائم.

1.2 مشروع المجلس: عقد اتحادي مشروط

تصف مسودَّة مشروع المجلس حضرموت كيانًا تاريخيًّا، وسياسيًّا، وجغرافيًّا مستقلًّا، وتطلب لها كامل الصلاحيَّات، وإدارة مواردها، وما لا يقل عن 70% من العائدات، وحقّ إنهاء العضويَّة في الاتحاد عند الإخلال بالعقد الاتحادي؛ وهذا ليس من ضمن مخرجات مؤتمر الحوار التي تجعل حضرموت، ومحافظات مجاورة إقليمًا فدراليًّا ضمن دولة اتحاديَّة؛ وبهذا تنتقل الفيدراليَّة من توزيع مستقرٍّ للصلاحيَّات داخل دولة واحدة إلى اتحاد قائم على الرضا المتبادل، ومشروط باستمرار الالتزام.

هذه النقلة جوهريَّة. فالمسودَّة لا تقول فقط إنَّ حضرموت إقليم من أقاليم الدولة، بل تجعل استمرارها في الاتحاد مرتبطًا بتنفيذ ضمانات محدَّدة، وبقبولها للترتيبات السياسيَّة. ولذلك تتجاوز مرجعيَّتها الاتحاديَّة النموذج الوارد في 2015م، الذي أكَّد وحدة الجمهوريَّة الاتحاديَّة، ولم يقرِّر للأقاليم حقًا منفردًا في إنهاء عضويَّتها. النتيجة أنَّ المشروع يستخدم مخرجات الحوار؛ لإسناد أصل الفيدراليَّة، ثمَّ يضيف إليها تصوُّرًا أصلًا أشدَّ استقلالًا.

2. ما المقصود دستوريًّا بإقليم حضرموت؟

2.1 الاسم واحد، والوحدة الإقليميَّة مختلفة:

تظهر أكثر الفجوات الدستوريَّة وضوحًا في مدلول إقليم حضرموت. فالمادة (391) من مسودَّة دستور 2015م عرّفته إقليمًا واسعًا يتكوَّن من ولايات حضرموت، والمهرة، وشبوة، وسقطرى. أمَّا مسودَّة المجلس فتصف حضرموت ذاتها بحدودها، وخصوصيَّتها كيانًا مستقلًّا، ثمَّ تفرَّد محورًا للحوار، والتنسيق مع محافظات الشرق: شبوة، والمهرة، وسقطرى، على أساس احترام خصوصيَّة كلّ محافظة. يفيد هذا البناء بأنَّ الإقليم المقصود في مشروع المجلس أقرب إلى محافظة حضرموت الحاليَّة بوصفها وحدة سياسيَّة مستقلَّة، لا إلى إقليم 2015م ذي المحافظات الأربع.

تتمثَّل نقطة القوَّة في مشروع المجلس في تعامله مع حضرموت الحاليَّة بوصفها وحدة سياسيَّة متماسكة، مع إبقاء التعاون مع شبوة، والمهرة، وسقطرى قائمًا على الحوار، واحترام خصوصيَّة كلّ محافظة. لكنَّ المشروع لا يوضَّح صراحةً اختلاف هذا التصور عن إقليم حضرموت الوارد في مسودَّة دستور 2015م، الذي يضمُّ المحافظات الأربع؛ لذلك لا يكفي الاستناد العام إلى مخرجات الحوار الوطني، بل يجب تحديد ما إذا كان المجلس يتبنَّى الإقليم الرباعي المقترح عام 2015م، أم يطالب بإقليم يقتصر على حدود محافظة حضرموت الحاليَّة.

2.2 السلَّم الدستوري في المسودَّة:

لا تضع المسودَّة الفيدراليَّة، والحكم الذاتي، والاستقلال بعدِّها بدائل متساوية. القراءة للمسودَّة تكشف ترتيبًا مشروطًا:

قيام إقليم حضرموت في دولة اتحاديَّة هو الخيار الدستوري الرئيس؛ والحكم الذاتي، والحكم الفيدرالي وردا بوصفهما الحدّ الأدنى الذي يضمن إدارة حضرموت لنفسها؛ ثمَّ يأتي حقّ إعادة تحديد المركز الدستوري، والسياسي، بما في ذلك قيام دولة مستقلَّة، عند تعذُّر الاتحاد، أو فشله، أو التراجع عن ضماناته.

تتمثَّل نقطة القوَّة في هذا الترتيب في أنَّ المسودَّة تبدأ بخيار الدولة الاتحاديَّة، ثمَّ تضع الحكم الذاتي، والاستقلال كخيارات لاحقة إذا تعذَّر تطبيق الاتحاد، أو فشل في ضمان حقوق حضرموت. لكنَّ المسودَّة لا توضِّح بصورة كافية الفرق بين هذه الخيارات؛ فالفيدراليَّة تعني توزيع الصلاحيَّات بين الحكومة الاتحاديَّة، والأقاليم، بينما يمنح الحكم الذاتي حضرموت وضعًا خاصًّا، وصلاحيَّات أوسع، أمَّا الاستقلال فيعني قيام دولة منفصلة. كما أنَّ استخدام مصطلحي الحكم الذاتي، والحكم الفيدرالي أحيانًا بمعنى متقارب يجعل الشكل الدستوري المطلوب غير واضح: هل تسعى المسودَّة إلى إقليم حضرمي عادي داخل دولة اتحاديَّة، أم إلى إقليم يتمتَّع بوضع خاص، وصلاحيَّات أوسع، أم إلى اتحاد قائم على اتفاق، وضمانات متبادلة، تستطيع حضرموت مراجعة عضويَّتها فيه إذا لم تُحترم الضمانات المتَّفق عليها؟

2.3 عبارة كامل الصلاحيَّات، وحدودها:

تُكرِّر المسودَّة تمتُّع حضرموت بكامل الصلاحيَّات السياسيَّة، والتشريعيَّة، والتنفيذيَّة، والإداريَّة، والماليَّة، والأمنيَّة، ثمَّ تقرَّر أنَّ الدستور الاتحادي سيحدِّد الاختصاصات الحصريَّة، والمشتركة بين الاتحاد، والإقليم. الجملتان تعبِّران عن اتجاه واحد نحو نقل السلطة، لكنَّهما ليستا متطابقتين. ففي الاتحاد لا يمارس الإقليم كامل السلطات السياديَّة؛ لأنَّ الخارجيَّة، والدفاع، والعملة، والمواطنة، والتجارة الخارجيَّة، وغيرها تتوزَّع، أو تبقى للاتحاد. ومن ثمَّ يمكن فهم العبارة بوصفها كامل الصلاحيَّات داخل مجالات الإقليم، لا كامل وظائف الدولة. غير أنَّ الوثيقة لا تقدِّم القوائم التي تسمح بهذا التفسير الدقيق.

تكشف المقارنة مع مسودَّة 2015م حجم التفصيل الغائب. فقد خصَّصت المادة (335) للاتحاد الخارجيَّة، والدفاع، والعملة، والجمارك، والتجارة الخارجيَّة، والبنية الوطنيَّة؛ وجعلت المادة (337) التنمية الإقليميَّة، والأراضي، والصحَّة، والتعليم، والزراعة، والموانئ، والمطارات، وشرطة الإقليم، والتشريع في اختصاص الإقليم؛ ووزَّعت المادة (338) الخدمات، والشرطة المحلِّيَّة على الولايات، والمديريَّات؛ ثمَّ أعادت المادة (341) الاختصاصات غير المسندة إلى الإقليم. أمَّا مشروع المجلس فيحدِّد مستويات السلطة بأسمائها، لكنَّه لا يبيِّن أين ينتهي اختصاص حضرموت، وأين يبدأ الاتحاد؛ وهذه ربما تفاصيل سيتمُّ توضيحها مستقبلًا من قبل الهيئة الرئاسيَّة للمجلس بعد استكمال كلّ الوثائق.

3. التمثيل الدستوري لحضرموت: بين الواقع القائم، ومطالب تعزيز التأثير

3,1 معايير التمثيل، وحدود تطبيقها:

في الوضع القائم، يتوزَّع تمثيل حضرموت بين مقاعد نيابيَّة تستند إلى تقسيم الدوائر الانتخابيَّة، ومناصب تنفيذيَّة، وسياديَّة تُشغل بالتعيين، ومشاركة سياسيَّة تتمُّ غالبًا من خلال أطر وطنيَّة، أو جنوبيَّة أوسع. وقد يضمن ذلك حضور شخصيَّات حضرميَّة في مؤسَّسات الدولة، لكنَّه لا يضمن أنْ يكون لحضرموت تمثيل موحَّد، أو قدرة كافية على التأثير في القرارات، والترتيبات التي تمسّ مستقبلها، ومواردها.

تحاول مسودَّة المجلس معالجة هذه الفجوة من خلال اعتماد خمسة معايير لتمثيل حضرموت، هي: المساحة، وعدد السكَّان، والإسهام الاقتصادي، والمكانة التاريخيَّة، والأهميَّة الجيوسياسيَّة، والاستراتيجيَّة. وتكمن قوَّة هذا الطرح في عدم اختزال تمثيل حضرموت في عدد السكَّان فقط، بل مراعاة مساحتها، ومواردها، وموقعها، وأهميَّتها السياسيَّة، والاقتصاديَّة. وهذا يمنح المجلس أساسًا أوسع للمطالبة بتمثيل حضرموت في مؤسَّسات الدولة، ومفاوضات التسوية.

يختلف هذا الطرح عن مطالب القوى، والمكوِّنات الأخرى؛ فبعضها يعطي الأوَّلويَّة للوزن السكَّاني، أو الانتخابي، وبعضها يطالب بالمساواة بين المحافظات، أو الوحدات السياسيَّة، بينما يتعامل بعضها مع حضرموت ضمن حصَّة جنوبيَّة، أو وطنيَّة عامَّة، وليس بوصفها طرفًا مستقلًّا. وفي المقابل، تسعى مسودَّة المجلس إلى منح حضرموت تمثيلًا يعكس خصوصيَّتها، ووزنها الجغرافي، والاقتصادي، لا مجرَّد عدد سكَّانها.

لكنَّ المسودَّة لحدّ الآن لا توضِّح كيفيَّة تحويل هذه المعايير إلى مقاعد، أو نسب محدَّدة، ولا تحدِّد المؤسَّسات التي يطبق فيها كلّ معيار. فعدد السكَّان يمكن استخدامه في توزيع مقاعد مجلس النواب، بينما يمكن مراعاة التوازن بين المحافظات، أو الأقاليم في مجلس اتحادي، وتطبيق معايير الكفاءة، والتنوُّع في المناصب التنفيذيَّة، والهيئات المستقلَّة. أمَّا تطبيق المعايير الخمسة مجتمعة على جميع المؤسَّسات، من دون تحديد وزن كلّ معيار، فيجعلها مبادئ تفاوضيَّة عامَّة أكثر من كونها قواعد واضحة للتمثيل. ولذلك تبقى قوَّة المقترح في توسيع أسس المطالبة بحقوق حضرموت، بينما تتمثَّل نقطة ضعفه في غياب آليَّة عمليَّة تحدِّد حجم تمثيلها، وكيفيَّة اختياره، وضمان تأثيره في القرار.

3,2 التمثيل الدستوري بين مسودَّة 2015م، ومشروع المجلس:

تناولت مسودَّة دستور 2015م تمثيل الجنوب على مستويات دستوريَّة متعدِّدة، ولم تقتصر على مجلس النوَّاب. فقد خصَّصت للجنوب بشكل عام نسبة 40% من مقاعد مجلس النوَّاب بعد الدورة التشريعيَّة الأوَّلى، ومنحت كلَّ إقليم اثني عشر مقعدًا في مجلس الاتحاد. كما أقرَّت المناصفة للجنوب خلال الدورة الانتخابيَّة الأوَّلى في السلطة التشريعيَّة الاتحاديَّة، والهياكل القياديَّة للسلطات التنفيذيَّة، والقضائيَّة، بما فيها الجيش، والأمن، وألزمت الدولة بضمان تمثيل عادل لكلِّ اقليم في المؤسَّسات التنفيذيَّة الاتحاديَّة. ومنحت ثلثي ممثِّلي الجنوب في مجلس الاتحاد حقَّ الاعتراض على قرارات تمس قضايا حيويَّة، مثل توزيع عائدات الموارد، وشكل الدولة، وحدود الأقاليم، وتمثيل الجنوب.

غير أنَّ هذه الضمانات تعاملت مع حضرموت ضمن إطارين أوسع منها: إقليم حضرموت المكوِّن من محافظات حضرموت، وشبوة، والمهرة، وسقطرى، وكتلة الجنوب المكوِّنة من إقليمي حضرموت، وعدن. ولذلك لم تمنح محافظة حضرموت الحاليَّة حصَّة مستقلَّة في مؤسَّسات الدولة، أو حقًّا منفردًا في الاعتراض على القرارات التي تمسّ وضعها ومواردها، بل جعلت ممارسة هذه الحقوق مرتبطة بالتوافق مع بقيَّة محافظات الإقليم.

أمَّا مشروع المجلس، فينطلق من عدِّ حضرموت طرفًا سياسيًّا مستقلًّا، وندِّيًّا، ويطالب بتمثيلها العادل في المناصب السياديَّة، والعليا، ومؤسَّسات الدولة، وبمشاركتها المستقلَّة في الحوارات، والتسويات السياسيَّة، ويرفض اتخاذ ترتيبات تخصّها من دون مشاركتها. وتتمثَّل قوَّة هذا التوجُّه في انتقاله من مجرَّد حضور شخصيَّات حضرميَّة ضمن أطر أوسع إلى المطالبة بتمثيل يعبِّر مباشرة عن مصالح حضرموت، وإرادة أبنائها.

لكن المشروع لحد الآن لا يحدِّد الآليَّة الدستوريَّة التي تضمن هذا التمثيل؛ فلا يوضِّح ما إذا كان سيتحقَّق من خلال مقاعد مضمونة في المجالس التشريعيَّة، أو نسبة في السلطات التنفيذيَّة، والقضائيَّة، والمؤسَّسات العسكريَّة، والأمنيَّة، أو وفد حضرمي مستقلّ في المفاوضات، أو حقّ اعتراض على القرارات المتعلِّقة بالموارد، والحدود، والمركز السياسي لحضرموت. وبذلك تبدو مسودَّة 2015م أكثر تفصيلًا في تحديد أدوات التمثيل، لكنَّها تمنحها للجنوب بصورة جماعيَّة، بينما يبدو مشروع المجلس أكثر وضوحًا في المطالبة بتمثيل حضرمي مستقلّ، لكنَّه أقلّ تحديدًا لآليَّات تطبيقه دستوريًّا.

3.3 الندِّيَّة في التفاوض، والندِّيَّة داخل الدستور:

وصف حضرموت بأنَّها طرف ندِّي في الحوار الجنوبي، والاستحقاقات القادمة يمنحها موقعًا في عمليَّة تأسيس الدستور، لكنَّه لا يحدِّد موقعها داخل الدولة بعد إقرار الدستور. فالندِّيَّة التفاوضيَّة تعني عدم إدماج صوتها في وفد تابع، أمَّا الندِّيَّة الدستوريَّة فتحتاج إلى تمثيل مؤسَّسي، وقواعد تصويت، وضمانات تعديل، ووسائل فضّ نزاع. وتظهر المسودَّة قوَّة أكبر في المستوى الأوَّل؛ إذْ تصرُّ على الحضور المستقلّ، بينما تكتفي في المستوى الثاني بمعايير عامَّة للتمثيل، وضمانات لم تُترجم إلى آليَّات.

4. الثروة، والموارد: من مطلب مالي إلى دستور اقتصادي

4.1 ثلاثة تصورات مختلفة لملكيَّة الثروة:

يقرِّر الدستور النافذ في المادة (8) أنَّ الثروات الطبيعيَّة، ومصادر الطاقة ملك للدولة، التي تكفل استغلالها للمصلحة العامَّة. وتنقل مسودَّة دستور 2015م الملكيَّة في المادة (17) إلى الشعب، مع توزيع العائدات بين مستويات الحكم بصورة عادلة، ومنصفة، ومراعاة حقوق الأجيال. أمَّا مشروع المجلس فيستخدم لغة إقليميَّة مباشرة: موارد حضرموت، وثرواتها حقّ أصيل لأبنائها، وتُمثِّل ملكًا عامًّا لهم، ولأجيالهم القادمة.

الفارق بين ملك الدولة، وملك الشعب، وحقّ أبناء الإقليم ليس لغويًّا. ملكيَّة الدولة تركِّز القرار في المؤسَّسات المركزيَّة؛ وملكيَّة الشعب تسمح بإدارة متعدِّدة المستويات مع بقاء المورد وطنيًّا؛ أمَّا الملكيَّة، أو الاستحقاق الإقليمي، فيجعل نقطة البداية أنَّ المورد لحضرموت، وأنَّ حصَّة الاتحاد تُقتطع منه. لا تحسم المسودَّة ما إذا كانت تقصد ملكيَّة دستوريَّة للإقليم، أم حقًّا في الإدارة، والعائدات، لكنَّها تجمع بين اللغتين، وهو ما يفتح قراءتين مختلفتين لنسبة 70%: حصَّة إقليميَّة من ثروة وطنيَّة، أو احتفاظ الإقليم بالثروة التي يملكها، واقتطاع نسبة المركز منه.

4.2 نسبة 20%: استحقاق آني، أم سقف بديل؟

يقرِّر البيان رفض استئناف تصدير النفط قبل ضمان حقوق حضرموت، وفي مقدِّمتها حصَّتها البالغة 20%، مع الإحالة إلى بيان مجلس القيادة الرئاسي الصادر في السَّابع من يناير 2025م. تختلف هذه الصيغة عن نسبة 70% في المستوى، والزمن: الأوَّلى مرتبطة بترتيب قائم، واستئناف التصدير، والثانية قاعدة دستوريَّة لنظام اتحادي مستقبلي؛ لهذا لا يثبت اختلاف الرقمين وحده أنَّ المؤتمر تراجع عن المسودَّة.

لكنَّ الوثائق المنشورة لا تصرِّح بأنَّ 20% حصَّة انتقاليَّة، وأنَّ 70% ترتيب نهائي، ولا تبيِّن هل النسبتان تحتسبان من الوعاء نفسه. وفي غياب هذا الربط يصبح للمشروع سقفان للثروة: سقف للمطالبة الفوريَّة، وسقف تأسيسي بعيد المدى. دستوريًا، لا تكمن المشكلة في تعدُّد المراحل، بل في عدم تعريف العلاقة بينها؛ لأنَّ الاستحقاق المؤقَّت قد يتحوَّل إلى سابقة دائمة، كما أنَّ النسبة الدستوريَّة قد تبقى شعارًا إذا لم ترتبط بنظام تحصيل، وتوزيع، ومساءلة.

4,3 الفجوة بين الإنفاق، والإيراد:

تمنح المسودَّة حضرموت صلاحيَّات ماليَّة كاملة، لكنَّها تركِّز تفصيلها على نسبة الموارد الطبيعيَّة. والاستقلال المالي لا يقوم على الإيراد النفطي وحده؛ فهو يشمل سلطة فرض الضرائب، والرسوم، وتحديد الوعاء، والمعدَّل، والتحصيل، والاقتراض، وإدارة الدَّين، وإعداد الموازنة، والرقابة، والتحويلات بين مستويات الحكم، وغيرها. وقد يملك الإقليم صلاحيَّات إنفاق واسعة من دون موارد مستقرَّة، فيبقى معتمدًا على التحويلات المركزيَّة؛ أو يملك إيرادًا كبيرًا من دون قواعد مساءلة، فتنتقل المركزيَّة الماليَّة إلى مستوى الإقليم.

عالجت مسودَّة 2015م جزءًا من ذلك عبر مبدأ وحدة النظام المالي، وصندوق الإيرادات الوطني، وقانون التقسيم السنوي، وتمكين مستويات الحكم من تحصيل وإدارة، وإنفاق مواردها. لكنَّها أبقت الجمارك، ورسوم التصدير في الاختصاص الاتحادي، وجعلت مبيعات النفط، والغاز ضمن الصندوق الوطني. مشروع المجلس يرفض الاعتماد المركزي، ويطلب الإدارة الكاملة، لكنَّه لا يبيِّن موقفه من صندوق اتحادي موحَّد، أو من الجمارك في موانئ حضرموت، أو من تقاسم القواعد الضريبيَّة. ولذلك يحدِّد حجم الحصَّة، ولا يحدِّد بعد شكل الاتحاد المالي.

5. الأمن، والدفاع: توزيع القوَّة داخل الدولة

تطالب المسودَّة بحقِّ حضرموت في قيادة، وإدارة الملفَّين الأمني، والعسكري عبر مؤسَّسات حضرميَّة موحَّدة تتولَّى حماية الحدود، والمنشآت الحيويَّة، مع وضع ذلك في إطار الترتيبات الدستوريَّة بين الإقليم، والاتحاد.

لا يعني هذا التوسُّع أنَّ المشروع يدعو إلى قوَّة تابعة للمجلس؛ بل هو يكرِّر المهنيَّة، والعمل تحت مظلَّة الدولة، ويؤكِّد البيان دعم المؤسَّسات الرسميَّة. لكنَّ الجمع بين القيادة الحضرميَّة، ومظلَّة الدولة يحتاج إلى تحديد دستوري لسلسلة القيادة: هل القوَّات جزء من جيش مركزي بقيادة مركزيَّة مع تجنيد محلِّي، أم جيش محلِّي يخضع للسلطة المحلِّيَّة، أم وحدات مشتركة؟ كما تحتاج حماية الموانئ، والحدود، والسواحل، والمنشآت إلى فصل ما هو مركزي عما هو محلِّي. من دون هذا الفصل يبقى المطلب واضحًا في غايته -منع إخضاع أمن حضرموت لقوَّة خارجها- وغير محدَّد في بنية احتكار القوَّة.

6. الضمانات الدستوريَّة: بين النصِّ على الحقِّ، وبناء المؤسَّسة الحامية

6.1 الضمانات التي تتضمَّنها المسودَّة:

تتضمَّن المسودَّة عدَّة ضمانات مرتفعة السقف: النصّ الدستوري على نسبة الموارد؛ قيام الاتحاد على الشراكة والرضا؛ عدم الانتقاص من هويَّة حضرموت؛ تمثيلها وفق معايير متعدِّدة؛ وحقَّها في إنهاء العضويَّة، أو إعادة تحديد مركزها عند الإخلال بالعقد. تكشف هذه الضمانات إدراكًا بأنَّ الصلاحيَّات السياسيَّة قد تُفرَّغ من مضمونها إذا تركت للقوانين العاديَّة، أو للسلطة المركزيَّة.

لكنَّ معظم الضمانات مصاغ بوصفه حقًّا، أو شرطًا، لا بوصفه مؤسَّسة، وإجراء. فلا تُحدِّد الوثيقة أغلبيَّة خاصَّة لتعديل مركز حضرموت، أو موافقتها المنفردة على قانون الموارد، أو تشكيل غرفة اتحاديَّة للأقاليم، أو حقّ اعتراض في المسائل الحيويَّة، أو محكمة تفصل في التنازع، أو آليَّة تنفيذ الأحكام، أو استفتاء داخل حضرموت عند تغيير الحدود، أو الصلاحيَّات. ولهذا تعتمد الحماية في صورتها الحاليَّة على وضوح النصّ أكثر من اعتمادها على تعدُّد مراكز القرار.

6.2 الضمانة الحضرميَّة، والضمانة الجنوبيَّة:

منحت مسودَّة 2015م ثلثي ممثِّلي الجنوب في مجلس الاتحاد حقّ اعتراض على قانون توزيع عائدات الموارد، وشكل الدولة، وحدود الأقاليم، وبعض تعديلات التمثيل. تُمثِّل هذه صيغة لأغلبيَّة مزدوجة تحمي كتلة جغرافيَّة داخل الاتحاد، لكنَّها لا تحمي حضرموت منفردة؛ إذْ لا تستطيع ممارسة الاعتراض من دون ممثِّلي إقليم عدن، كما أنَّ ممثِّلي إقليم حضرموت فيها يمثِّلون أربع محافظات.

يقوم مشروع المجلس على استقلال القرار الحضرمي، ورفض التبعية لأيِّ مشروع آخر، ما يجعل الضمانة الجنوبيَّة الجماعيَّة غير كافية وفق منطقه الداخلي. ومع ذلك لا يقدِّم بديلًا محدَّدًا. تظهر هنا فجوة بين الهويَّة التفاوضيَّة، والضمانة الدستوريَّة: المجلس يريد لحضرموت أنْ تدخل المفاوضات بصوت مستقلّ، لكنَّ النصَّ لا يحدِّد كيف يظلُّ هذا الصوت قادرًا على منع تعديل جوهري بعد قيام الدولة، ومؤسَّساتها.

خلاصة المبحث الثاني:

المشروع وثيقة موقف دستوري متقدِّمة، لا نموذجًا دستوريًّا مكتملًا. فهو واضح في اتجاه نقل السلطة، والثروة لصالح حضرموت، لكنَّه أقلُّ وضوحًا في حدود الإقليم، ونوع الاتحاد، وقوائم الاختصاصات، وبنية الماليَّة العامَّة، والعدالة الداخليَّة، وسلسلة القيادة الأمنيَّة، ومؤسَّسات فضّ المنازعات، وتنفيذ الضمانات.

الخلاصة، والنتائج العامَّة:

1. الطبيعة المركَّبة للمشروع:

تكشف الوثائق أنَّ المشروع يؤدِّي ثلاث وظائف في الوقت نفسه: فهو وثيقة هويَّة سياسيَّة تُعرِّف حضرموت كقضيَّة، ومجتمع مصالح؛ ووثيقة تفاوض تُحدِّد موقعها، ووفدها وسقوفها؛ ومسودَّة موقف دستوري تتناول الدولة، والإقليم، والاختصاصات، والثروة، والأمن. ولا يملك كلّ مستوى الدرجة نفسها من الاكتمال. فالهويَّة التفاوضيَّة هي الأكثر وضوحًا، بينما تأتي هندسة الحكم في مستوى أقلّ تفصيلًا.

سياسيًّا، يحاول المجلس تحويل التراكم الحضرمي إلى مركز قرار. ودستوريًّا، يحاول تحويل هذا المركز إلى وحدة أصليَّة في عقد الدولة. ومن هنا فإنَّ الخلاف حول المجلس لا يتعلَّق فقط بعدد مكوِّناته؛ بل بمن يملك تعريف حضرموت، وتحديد موقعها النهائي، والتصرُّف في مواردها، وتمثيلها في التسويات. وكلَّما اتسعت هذه الوظائف، ارتفع معيار التفويض، والشفافيَّة، والضمان المؤسَّسي المطلوب للحكم عليها.

2. المكاسب التي تكشفها الوثائق:

المكسب الأوَّل – تحويل القضيَّة: ينقل المشروع قضيَّة حضرموت من مستوى المطالب الخدميَّة، والحصص الإداريَّة إلى مستوى تأسيسي يتعلَّق بمكان السلطة، والتمثيل، والموارد.

المكسب الثَّاني – الاستقلال التفاوضي: يبني أساسًا، واضحًا لرفض تمثيل حضرموت من خلال طرف آخر، ويجعلها محورًا في أيِّ استحقاق في التسوية القادمة.

المكسب الثالث – تحويل المطالب إلى عمل مؤسَّسي: لا يكتفي المشروع بعرض مظالم حضرموت وحقوقها، بل يحدِّد مؤسَّسات، وآليَّات للعمل عليها، تشمل هيئات، ولجان المجلس، والوفود التفاوضيَّة، والبرنامج السياسي. وبذلك ينقل المطالب من مجرَّد خطاب سياسي إلى عمل منظَّم قابل للمتابعة، والتنفيذ.

المكسب الرَّابع – إدراك الحاجة إلى الضمان: يعكس النص وعيًا بأنَّ الصلاحيَّات، والحصص قد تفرَّغ من مضمونها إذا بقي تعديلها بيد المركز وحده، ولذلك يرفع مطلب الدسترة، والرضا، والشراكة.

يدرك المشروع أنَّ الصلاحيَّات، والحصص الممنوحة لحضرموت قد تفقد قيمتها إذا لم تُدرج ضمن الدستور؛ لذلك طالب بتضمينها في الدستور، وأنْ يكون لحضرموت الحقّ في تقرير البقاء ضمن التشكيل القادم إذا تمَّ الخلل بها.

3. مواطن عدم الاكتمال:

لا تقتصر مواطن عدم الاكتمال في المشروع على التفاصيل الفنيَّة التي يمكن إعدادها لاحقًا، بل تشمل قضايا أساسيَّة تحدِّد طبيعة المشروع، وحدود تمثيله. فالوثائق لا توضِّح بصورة كافية ما إذا كان المجلس يُمثِّل القوى المشاركة فيه، أم يتحدَّث باسم حضرموت عامَّة، كما لا تحسم المقصود بإقليم حضرموت: هل هو محافظة حضرموت بحدودها الحاليَّة، أم الإقليم الذي يضمُّ المحافظات الشرقيَّة الأربع؟ كذلك لم يحدِّد بصورة نهائيَّة موقع حضرموت في الدولة المقبلة، وما إذا كانت الفيدراليَّة هي الخيار الأساسي، أم أحد الخيارات القابلة للتفاوض، وماذا سيحدث إذا فشلت الصيغة الاتحاديَّة في ضمان حقوق حضرموت.

تظهر جوانب أخرى من عدم الاكتمال في تحديد الصلاحيَّات المطلوبة، وآليَّات ممارستها. فمصطلح كامل الصلاحيَّات لا يوضِّح توزيع السلطات التشريعيَّة، والتنفيذيَّة، والقضائيَّة، والماليَّة بين حضرموت، والسلطة الاتحاديَّة. كما أنَّ المطالبة بالإدارة الكاملة للموارد لا تحدِّد بصورة دقيقة ملكيَّة الثروات، والجهة المسؤولة عنها، والرقابة عليها. وفي الجانب الأمني، والعسكري، لا توضِّح الوثائق العلاقة بين القوَّات في حضرموت، ومؤسَّسات الدفاع، والأمن المركزيَّة، ولا آليَّات القيادة، والرقابة المدنيَّة، والمساءلة.

على المستوى الداخلي، لا يقدِّم المشروع تصوُّرًا واضحًا لتوزيع السلطة، والموارد بين الوحدات الإداريَّة داخل المحافظة، كما لا يحدِّد الضمانات التي تمنع تركز القرار، والثروة في مركز الإقليم. كذلك تحتاج العلاقة بين المجلس، والسلطة المحلِّيَّة، وآليَّات اختيار ممثِّلي حضرموت، وحماية مشاركة المرأة، والشباب، والمكوِّنات المختلفة، وطرق تعديل الاتفاقات، وحلِّ النزاعات، إلى مزيد من التحديد. وبذلك تبدو الوثائق واضحة في عرض الحقوق، والمطالب العامَّة، لكنَّها لا تزال بحاجة إلى استكمال النموذج الدستوري، والمؤسَّسي الذي يبيِّن كيفيَّة تطبيق هذه المطالب، وضمان استمرارها.

4. التقدير النهائي:

يمكن توصيف المشروع، في صورته المنشورة، بأنَّه منصَّة تفاوضيَّة مرتفعة السقف أكثر من كونه عقد حكم مكتملًا. وهذه الصفة ليست حكمًا سلبيًّا بذاتها؛ فالوثائق السياسيَّة غالبًا تبدأ بتحديد ما يرفضه الطرف، وما يطالب به قبل بناء التفاصيل. غير أنَّ اتساع ادعاء التمثيل، وارتفاع سقف الحقوق يجعلان الفجوات المؤسَّسية أكثر تأثيرًا؛ لأنَّ المشروع لا يتفاوض على مصلحة قطاعيَّة بل على إعادة تعريف مركز حضرموت داخل الدولة، أو بجوارها.

كما أنَّ المؤتمر التأسيسي أحدث تحوُّلًا حقيقيًّا حين نقل المجلس من اللجنة التحضيريَّة إلى مؤسَّسة ذات قيادة، وعضويَّة، وقرارات، لكنَّه لم يغلق المسافة بين شرعيَّة المؤتمر، والشرعيَّة الحضرميَّة العامَّة. وسيظلُّ التقييم السياسي مرتبطًا بما تكشفه الممارسة عن تركيب المؤسَّسات، وإدارة التعدُّد، وحدود العلاقة بالسلطة المحلِّيَّة، والقدرة على إنتاج تفويض تفاوضي مقبول خارج نطاق العضويَّة المباشرة.

أمَّا دستوريًّا، فالمشروع يتجاوز المركزيَّة، واللامركزيَّة الإداريَّة، ويعيد بناء حضرموت كوحدة سياسيَّة ذات صلاحيَّات أصليَّة. لكنَّه لا يطابق مخرجات الحوار، أو مسودَّة 2015، بل يقترح نموذجًا حضرميًّا أكثر تعاقديَّة، واستقلالًا. ولذلك فإنَّ الإحالة العامَّة إلى الفيدراليَّة لا تكفي لوصفه؛ لأنَّ جوهره يوجد في حدود الإقليم، وحقّ الانفكاك، والاستقلال المالي، والأمني، والضمانات الحضرميَّة الخاصَّة.

الهوامش والمراجع:

  • المجلس التنسيقي الأعلى للمكوِّنات السياسيَّة، والمجتمعية الحضرميَّة، المشروع السياسي للمجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى، ورؤية حضرموت للحوار الجنوبي الشامل، المسودَّة الأوَّلى محلّ الدراسة، أغسطس 2026م.
  • المؤتمر العام التأسيسي للمجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى، البيان السياسي والمخرجات والقرارات والتوصيات، المكلا، 31 أغسطس 2026م.
  • دستور الجمهوريَّة اليمنيَّة لسنة 1991م وتعديلاته، ولا سيما المواد (1، 4، 8، 18، 36، 145-147)، المركز الوطني للمعلومات؛ النص الدستوري.
  • مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وثيقة الحوار الوطني الشامل، صنعاء، 2014م؛ النسخة العربيَّة.
  • لجنة صياغة الدستور، مسودَّة دستور اليمن الجديد، يناير 2015م، ولا سيما المواد (1، 17، 139، 141، 143، 230-249، 323-341، 355-391، 408-414)؛ النص العربي للمسودَّة.
  • إعلان نقل السلطة وتشكيل مجلس القيادة الرئاسي، وكالة الأنباء اليمنيَّة سبأ، 7 أبريل 2022م؛ نص الإعلان.
  • الإعلان عن مسودَّة مشروع وثيقة حضرموت: الرؤية والمسار، المصدر أونلاين، 13 يونيو 2011م؛ والإعلان بالمكلا عن وثيقة حضرموت: الرؤية والمسار، حضرموت اليوم، 29 يوليو 2012م.
  • مؤتمر حضرموت الجامع، البيان الختامي والقرارات والتوصيات، 22 أبريل 2017م.
  • ميثاق الشرف الحضرمي، مشاورات الرياض، 20 يونيو 2023م.
  • إبراهيم جلال، مجلس حضرموت الوطني: خطوة استراتيجيَّة أم ردة فعل تكتيكية؟، معهد الشرق الأوسط، 22 أبريل 2024م.
  • صالح عسكول، حضرموت تشهد مرحلة جديدة بإعلان المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى، جريدة المدينة، 31 أغسطس 2026م.
  • المجلس التنسيقي الحضرمي: هل هو إطار جامع أم أزمة جديدة في تمثيل حضرموت؟، هضبة نيوز، 23 أغسطس 2026م.
  • Giorgio Brosio, Raising and Sharing Revenues from Natural Resources, World Bank, 2015.
  • George Anderson, Natural Resources in Federal and Devolved Countries, Forum of Federations, 2020.
  • [Balakrishna Menon, “Yemen’s Delicate Dance with Decentralization,” World Bank, 8 September 2014.
  • Osamah Al-Rawhani and Eyad Ahmed, “The Need to Build State Legitimacy in Yemen,” Sana’a Center for Strategic Studies, 30 September 2018.
  • International IDEA, Political Parties in Conflict-Prone Societies: Regulation, Engineering and Democratic Development, 2008.
  • Helen Lackner, From Local Governance to Constitution Building: Yemen after 10 Years of Conflict, International IDEA, 2025.

لتحميل الورقة أنقر هنا

المجلس التنسيقي

مركز مداد حضرموت