ملخَّص تنفيذي:
تتناول هذه الدراسة اقتصاد المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنيَّة المعترف بها دوليًّا، المعروفة إعلاميًّا بـ«المحافظات المحرَّرة»، في مرحلة دقيقة تتقاطع فيها أربع أزمات متزامنة: أزمة إيرادات سياديَّة ناجمة عن استمرار حصار موانئ تصدير النفط، وأزمة نقديَّة تتمثَّل في التذبذب الحاد لسعر صرف الريال اليمني، وأزمة مديونيَّة عامَّة تجاوزت فيها نسبة الدَّين العام إلى الناتج المحلِّي الإجمالي حاجز المئة بالمئة وفق صندوق النقد الدولي، وأزمة تمويل إنساني دولي بلغت فيها نسبة تغطية خطَّة الاستجابة الإنسانيَّة لعام ٢٠٢٦م نحو ٩٫٦ بالمئة فقط من الاحتياج المعلن.
تعتمد الدراسة في تحليلها على مصادر أوليَّة، ومؤسَّسيَّة متعددة: بيانات، وتصريحات البنك المركزي اليمني (فرع عدن)، وتقارير مرصد الاقتصاد اليمني الصادرة عن البنك الدولي، وبيان صندوق النقد الدولي الختامي لمشاورات المادَّة الرابعة لعام ٢٠٢٥م، إضافة إلى تقارير مكتب الأمم المتَّحدة لتنسيق الشؤون الإنسانيَّة، والمفوضيَّة الساميَّة لشؤون اللاجئين، وتصنيف المرحلة المتكاملة للأمن الغذائي، ومركز صنعاء للدراسات الاستراتيجيَّة، ومعهد الشرق الأوسط. وتخلص الدراسة إلى أنَّ مسارات الأزمة الأربعة مترابطة عضويًّا؛ فتراجع الإيرادات يقوّض قدرة الحكومة على الإنفاق، وضعف الإنفاق يفاقم تدهور الخدمات، وسعر الصرف، وتدهور سعر الصرف يعمّق الفقر، وانعدام الأمن الغذائي، في حين أنَّ تراجع التمويل الإنساني الدولي يزيل شبكة الأمان الأخيرة التي كانت تخفِّف من وطأة هذه الحلقة.
تقدِّم الدراسة في فصولها الإحدى عشر تحليلًا تفصيليًّا لكلٍّ من هذه المسارات، وتبني ثلاثة سيناريوهات مستقبليَّة، وتخلص إلى مجموعة من خيارات السياسات العاجلة، والمتوسطة المدى الموجَّهة إلى الحكومة اليمنيَّة، والبنك المركزي، والشركاء الدوليِّين على حدٍّ سواء.
أولًا: خلفيَّة الدراسة
منذ اندلاع الحرب في مارس ٢٠١٥م، دخل الاقتصاد اليمني في مسار انقسام مؤسَّسي، ونقدي متصاعد بين منطقتين جغرافيَّتين: منطقة تسيطر عليها جماعة الحوثي في الشمال، ومقرَّها صنعاء، ومنطقة تسيطر عليها الحكومة المعترف بها دوليًّا، ومقرَّها المؤقَّت عدن. وقد تعمّق هذا الانقسام في سبتمبر ٢٠١٦م حين أصدر الرئيس اليمني آنذاك قرارًا بنقل مقرِّ البنك المركزي اليمني من صنعاء إلى عدن، لتنشأ منذ تلك اللحظة سلطتان نقديتان متوازيتان تتنازعان الشرعيَّة والصلاحيَّة في إصدار العملة، وإدارة الاحتياطيَّات، وتنظيم القطاع المصرفي.
وقد أدَّى هذا الانقسام إلى نشوء منظومتين ماليَّتين، ونقديَّتين منفصلتين تمامًا من حيث الموارد والالتزامات؛ فبينما تعتمد سلطات صنعاء على تجميد سعر الصرف بالقوَّة عبر قيود إداريَّة صارمة على السحب والتحويل، تحاول الحكومة في عدن إدارة اقتصاد سوق مفتوح نسبيًّا يتأثَّر مباشرة بأيِّ صدمة في الإيرادات، أو الثقة، أو تدفُّقات الدعم الخارجي. ويقدّر البنك الدولي أنَّ الناتج المحلِّي الإجمالي الحقيقي للفرد في اليمن ما يزال أدنى بنحو ٥٨ بالمئة من مستواه في عام ٢٠١٥م، فيما يقدّر صندوق النقد الدولي في بيانه الختامي لمشاورات المادَّة الرابعة لعام ٢٠٢٥م أنَّ الناتج المحلِّي الإجمالي الحقيقي الكلِّي لليمن قد انكمش بنحو ٢٧ بالمئة تراكميًّا منذ عام ٢٠١٤م، وهو أوَّل تحليل شامل من هذا النوع يجريه الصندوق منذ توقَّف مشاوراته مع اليمن لأحد عشر عامًا متتالية.
منذ أواخر عام ٢٠٢٢م، أضافت جماعة الحوثي بُعدًا جديدًا لهذا الضغط الاقتصادي حين حوّلت استهداف البنية النفطيَّة إلى أداة ضغط سياسي، واقتصادي مباشرة، عبر سلسلة من الهجمات بالطائرات المسيّرة على موانئ الضبَّة في حضرموت، والنشيمة في شبوة، ما أدَّى إلى تعليق شبه كامل لصادرات النفط الخام التي كانت تمثِّل الشريان الرئيس لإيرادات الحكومة السياديَّة. وقد حذّر البنك المركزي اليمني مرارًا، في بيانات رسميَّة موثَّقة، من أنَّ استمرار هذا الاستهداف يهدِّد بشكل مباشر قدرة الدولة على دفع رواتب موظَّفيها المدنيِّين، والعسكريِّين، وتقديم الخدمات الأساسيَّة، وطالب في أكثر من مناسبة بمساندة رئاسيَّة، وحكوميَّة أوسع؛ لتمكينه من ممارسة صلاحيَّاته النقديَّة، والرقابيَّة كاملة.
وفي موازاة هذا الضغط المالي، والنقدي دخلت المنظومة الإنسانيَّة الدوليَّة العاملة في اليمن، والتي ظلَّت لسنوات تمثِّل شبكة الأمان الأخيرة لملايين اليمنِّيين، مرحلة تراجع حادٍّ، وغير مسبوق في التمويل. فبعد أنْ كانت خطط الاستجابة الإنسانيَّة تحظى في سنوات سابقة بتمويل يتجاوز نصف الاحتياج المعلن، لم تتجاوز نسبة تمويل خطَّة عام ٢٠٢٦م البالغة قيمتها ٢٫١٦ مليار دولار نحو ٩٫٦ بالمئة فقط من احتياجاتها بحلول أواخر مارس من العام نفسه. وتشكِّل هذه المصادفة الزمنيَّة بين تراجع الإيرادات السياديَّة، وتراجع التمويل الإنساني الدولي جوهر الإشكالَّية التي تعالجها هذه الدراسة.
ثانيًا: مشكلة الدراسة
تتمثَّل مشكلة الدراسة في أنَّ المحافظات المحرَّرة تدخل مرحلة جديدة من التصعيد المحتمل في وقت تتقاطع فيه أربعة ضغوط بنيويَّة متزامنة لم يسبق أنْ اجتمعت بهذه الحدَّة: تراجع الإيرادات السياديَّة إلى مستويات متدنيَّة تاريخيًا، وارتفاع الدَّين العام إلى ما يتجاوز الناتج المحلِّي الإجمالي وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، وتذبذب حادّ، ومتكرِّر في سعر الصرف يقوّض الثقة في العملة المحلِّية، وانحسار غير مسبوق في التمويل الإنساني الدولي الذي كان يخفِّف تاريخيًّا من وطأة هذه الأزمات على الفئات الأكثر ضعفًا. وفي ظلِّ محدوديَّة الموارد الذاتيَّة المتاحة للحكومة، والسلطات المحلِّية، وضعف خطط الطوارئ، وآليَّات الاستجابة السريعة القادرة على امتصاص صدمة جديدة، تصبح أيُّ عودة للتصعيد العسكري، أو الاقتصادي سواء عبر استهداف مباشر للبنية التحتيَّة، أو عبر تباطؤ الدعم الخارجي، كفيلة بدفع الاقتصاد المحلِّي نحو حلقة انهيار متسارعة يصعب لاحقًا احتواؤها بالأدوات التقليديَّة المتاحة.
تتمحور الدراسة حول السؤال الرئيس التالي:
كيف يمكن أنْ يؤثِّر التصعيد الراهن، والمحتمل في اقتصاد المحافظات المحرَّرة، وما السياسات الممكنة للحدِّ من تداعياته، وتعزيز الصمود الاقتصادي؟
ثالثًا: أهداف الدراسة
تهدف الدراسة إلى:
- تشخيص أبرز مواطن الضعف في اقتصاد المحافظات المحرَّرة استنادًا إلى بيانات مؤسَّسيَّة موثَّقة من البنك المركزي اليمني، وصندوق النقد الدولي.
- تحليل قنوات انتقال آثار التصعيد العسكري، والسياسي إلى الاقتصاد المحلِّي، والمنظومة الإنسانيَّة.
- تقييم المخاطر المحتملة على الإيرادات، والدَّين العام، وسعر الصرف، والأسعار، وسلاسل الإمداد، والتمويل الإنساني.
- بناء سيناريوهات مفصّلة للتداعيات الاقتصاديَّة، والإنسانيَّة المحتملة خلال الأشهر الاثني عشر القادمة.
- اقتراح خيارات سياسات عاجلة، ومتوسطة المدى؛ لتعزيز الصمود بما يشمل التنسيق بين السلطة النقديَّة، والحكومة، والمنظومة الإغاثيَّة، والشركاء الدوليِّين.
رابعًا: أسئلة الدراسة
- ما أبرز مواطن الضعف الاقتصاديَّة في المحافظات المحرَّرة كما تعكسها بيانات البنك المركزي اليمني، وصندوق النقد الدولي؟
- ما القنوات التي تنتقل من خلالها آثار التصعيد إلى الاقتصاد، والمنظومة الإنسانيَّة؟
- ما المخاطر المحتملة على الإيرادات، والدَّين العام، وسعر الصرف، وسلاسل الإمداد، والخدمات، والتمويل الإغاثي؟
- ما السيناريوهات الاقتصاديَّة، والإنسانيَّة المحتملة في حال استمرار التصعيد، أو توسُّعه؟
- ما التدخُّلات، والسياسات الأكثر قابليَّة للتطبيق؛ لتعزيز الصمود الاقتصادي، والإنساني
خامسًا: نطاق الدراسة
النطاق الجغرافي:
المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنيَّة المعترف بها دوليًّا، ومجلس القيادة الرئاسي، والتي تمتدُّ على نحو ثلاثة أرباع مساحة اليمن، بما فيها عدن، ومأرب، وحضرموت، وشبوة، وتعز، والمحافظات الجنوبيَّة، والشرقيَّة.
النطاق الزمني:
تحليل التطوُّرات الاقتصاديَّة، والماليَّة، والإنسانيَّة خلال الفترة ٢٠١٤–٢٠٢٦م، مع تركيز خاص على الفترة ٢٠٢٢–٢٠٢٦م التي شهدت تصاعدًا حادًّا في الضغوط، واستشراف التداعيات المحتملة خلال الاثني عشر شهرًا التالية.
النطاق الموضوعي:
- الإيرادات العامَّة، والماليَّة المحلِّية، والدَّين العام، بما فيها بيانات، ومواقف البنك المركزي اليمني، وصندوق النقد الدولي.
- سعر الصرف، والأسعار، والقوَّة الشرائيَّة.
- سلاسل الإمداد، والنقل، والموانئ.
- الخدمات الأساسيَّة، والطاقة، والاستجابة الإنسانيَّة الدوليَّة.
- القطاع الخاص، وفرص العمل، والفقر، والتنمية البشريَّة، والأمن الغذائي.
سادسًا: منهجيَّة الدراسة، ومصادر البيانات
تعتمد الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي، ومنهج تحليل السياسات، وتُنفَّذ بوصفها دراسة مكتبيَّة تحليليَّة تستند إلى مصادر أوليَّة، ومؤسَّسيَّة إلى جانب المصادر البحثيَّة، والإعلاميَّة الموثَّقة. وتشمل المنهجيَّة مراجعة البيانات، والتصريحات الرسميَّة الصادرة عن البنك المركزي اليمني بشأن سياسات الصرافة، ونقل مقار البنوك، والتحذيرات المتعلِّقة باستهداف قطاع النفط، والدعم المالي الخارجي الوارد إلى حسابات الحكومة، إلى جانب مراجعة بيان صندوق النقد الدولي الختامي لمشاورات المادَّة الرابعة لعام ٢٠٢٥م بعدِّه أوَّل تقييم شامل، ومستقلٍّ لماليَّة الدولة اليمنيَّة منذ أحد عشر عامًا.
كما تعتمد الدراسة على مراجعة تقارير، وبيانات منظَّمات الإغاثة، والوكالات الأمميَّة العاملة في اليمن، وأبرزها مكتب تنسيق الشؤون الإنسانيَّة، والمفوضيَّة الساميَّة لشؤون اللاجئين، وبرنامج الأغذية العالمي، ومنظَّمة الأغذية والزراعة، واليونيسف، والمنظَّمة الدوليَّة للهجرة، وتصنيف المرحلة المتكاملة للأمن الغذائي، إلى جانب تقارير مرصد الاقتصاد اليمني الصادر عن البنك الدولي، وتقارير التقييم الخاصة بالفقر، والإنصاف، وتقارير مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجيَّة، ومعهد الشرق الأوسط. وتُستخدم هذه المصادر مجتمعة لتحليل البيانات المنشورة حول سعر الصرف، والأسعار، والإيرادات، والدَّين، والتجارة، والخدمات، والتمويل الإنساني، ولبناء تحليل المخاطر، والسيناريوهات، وتقييم خيارات السياسات وفق أهميَّتها، وقابليَّتها للتنفيذ.
الفصل الأوَّل: لقطة بيانات — المؤشِّرات الرئيسة (٢٠١٤–٢٠٢٦م)
يلخِّص الجدول التالي أبرز المؤشِّرات الاقتصاديَّة، والماليَّة، والإنسانيَّة المستقاة من صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والبنك المركزي اليمني، ومنظَّمات الإغاثة الدوليَّة، وتُستخدم كخط أساس تحليلي للفصول اللاحقة:
| المؤشِّر | القيمة | المصدر |
| الانكماش التراكمي للناتج المحلِّي الإجمالي الحقيقي منذ ٢٠١٤م | نحو ٢٧٪ (تقدير الصندوق) / ٥٨٪ للفرد (تقدير البنك الدولي) | صندوق النقد الدولي، أكتوبر ٢٠٢٥م؛ البنك الدولي |
| نمو الناتج المحلِّي الإجمالي الحقيقي، ٢٠٢٥م | انكماش ١٫٥٪ | البنك الدولي، مرصد الاقتصاد اليمني، ربيع ٢٠٢٦م |
| توقُّع نمو الناتج المحلِّي الإجمالي، ٢٠٢٦ م | انكماش إضافي ٠٫٥٪ (الصندوق: نمو ٠٫٥٪) | البنك الدولي، والصندوق، ٢٠٢٦ م |
| إيرادات الحكومة كنسبة من الناتج المحلِّي، ٢٠١٤م مقابل ٢٠٢٤ م | من ٢٢٫٥٪ إلى أقل من ١٢٪ | صندوق النقد الدولي، أكتوبر ٢٠٢٥ م |
| إيرادات الحكومة شاملة المنح، ٢٠٢٥ م | ٥٫٦٪ من الناتج المحلِّي (مقابل ٨٫٦٪ في ٢٠٢٤ م) | البنك الدولي، مرصد الاقتصاد اليمني، ربيع ٢٠٢٦ م |
| الدَّين العام كنسبة من الناتج المحلِّي (مناطق الحكومة) | أكثر من ١٠٠٪ | صندوق النقد الدولي، أكتوبر ٢٠٢٥ م |
| الدَّين الخارجي التقديري | نحو ٥٫٥–٦ مليارات دولار | وزارة الماليَّة اليمنيَّة عبر مباحثات الصندوق، أبريل ٢٠٢٥ م |
| الدعم السعودي الطارئ للموازنة، سبتمبر ٢٠٢٥ م | ٣٦٨ مليون دولار (موازنة، وطاقة، وصحَّة) | صندوق النقد الدولي، أكتوبر ٢٠٢٥ م |
| سعر صرف الريال في عدن، بداية ٢٠٢٤ م | نحو ١٥٤٠ ريالًا للدولار | البنك الدولي |
| سعر صرف الريال في عدن، الذروة، يوليو ٢٠٢٥ م | نحو ٢٩٠٥ ريالات للدولار | البنك الدولي، مرصد الاقتصاد اليمني، خريف ٢٠٢٥ م |
| سعر صرف الريال في عدن، أغسطس ٢٠٢٦ م | نحو ١٥٢٠–١٥٥٠ ريالًا للدولار | تقارير أسعار الصرف المحلِّية، أغسطس ٢٠٢٦ م |
| سعر صرف الريال القديم في صنعاء | نحو ٥٣٠–٥٤٠ ريالًا للدولار (شبه ثابت) | مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجيَّة |
| ارتفاع سعر سلة الغذاء الأساسيَّة في مناطق الحكومة (سنويًا حتى يونيو ٢٠٢٥ م) | ٢٦٪ | البنك الدولي، مرصد الاقتصاد اليمني، خريف ٢٠٢٥ م |
| معدل الفقر الوطني | نحو ٧٤٪ من السكان (٢٠٢٤ م)، مقابل ٤٩٪ قبيل الحرب | البنك الدولي، تقييم الفقر، والإنصاف ٢٠٢٤ م |
| الناتج المحلِّي الإجمالي للفرد | نحو ٦٥٠ دولارًا (٢٠٢٢ م) | البنك الدولي، تقييم الفقر، والإنصاف ٢٠٢٤ م |
| نسبة الأسر المرتبطة بشبكة الكهرباء العامَّة | من ٧٨٪ (٢٠١٤) إلى ١٥٪ (٢٠٢٣ م) | البنك الدولي، تقييم الفقر، والإنصاف ٢٠٢٤ م |
| نسبة الوصول إلى مياه شرب محسّنة | من ٥٧٪ (٢٠١٤) إلى ١٦٪ (٢٠٢٣م) | البنك الدولي، تقييم الفقر، والإنصاف ٢٠٢٤م |
| الأسر التي استنفدت أصولها الإنتاجيَّة | نحو ٨٦٪ | البنك الدولي، تقييم الفقر، والإنصاف ٢٠٢٤م |
| معدَّل بطالة الشباب، ٢٠٢٥ م | ٣٢٫٦٪ | مؤشِّرات التنمية العالميَّة للبنك الدولي |
| عدد المحتاجين للمساعدة الإنسانيَّة في اليمن، ٢٠٢٦ م | أكثر من ٢٢٫٣ مليون شخص | أوتشا، خطَّة الاستجابة الإنسانيَّة ٢٠٢٦ م |
| الاحتياج التمويلي لخطَّة الاستجابة الإنسانيَّة ٢٠٢٦ | ٢٫١٦ مليار دولار لاستهداف ١٢ مليون شخص | أوتشا، ١٨ مارس ٢٠٢٦م |
| نسبة تمويل خطَّة الاستجابة الإنسانيَّة ٢٠٢٦ (مطلع الربع الثاني) | نحو ٩٫٦٪ فقط من الاحتياج | تقرير سيدا الاستشاري، أبريل ٢٠٢٦م نقلًا عن أوتشا |
| احتياجات تمويل المفوضيَّة الساميَّة لشؤون اللاجئين في اليمن، ٢٠٢٦ م | ١٩٣٫٦ مليون دولار، تمويل ١٥٪ فقط حتى ٣٠ أبريل | المفوضيَّة الساميَّة لشؤون اللاجئين، عبر تقرير South24 |
| السكان الذين يعانون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي بمناطق الحكومة، مارس–مايو ٢٠٢٦ م | نحو ٥ ملايين شخص (٤٧٪)، منهم ١٫٤ مليون في مرحلة الطوارئ | تصنيف IPC، مايو ٢٠٢٦ م |
| توقُّع مرحلة الجوع، يونيو–سبتمبر ٢٠٢٦ م | ٥٫٤ مليون شخص (٥١٪)، مرحلة الطوارئ ترتفع إلى ١٫٥ مليون | تصنيف IPC، مايو ٢٠٢٦ م |
يُظهر الجدول أعلاه أربع دلالات تحليليَّة مركزيَّة تؤطِّر بقيَّة فصول الدراسة. أوَّلها أنَّ الفجوة بين تقديرات الانكماش التراكمي (٢٧ بالمئة إجماليًّا)، وتقديرات التراجع الفردي (٥٨ بالمئة للفرد) تعكس أثر النمو السكاني المتواصل في ظلِّ اقتصاد متقلّص، بما يعني أنَّ متوسِّط نصيب الفرد من الناتج يتدهور بوتيرة أسرع من تدهور الاقتصاد الكلِّي نفسه. وثانيها أنَّ تراجع نسبة الإيرادات الحكوميَّة من الناتج المحلِّي من ٢٢٫٥ بالمئة عام ٢٠١٤م إلى أقل من ١٢ بالمئة عام ٢٠٢٤م يعادل عمليًّا فقدان الدولة لنحو نصف قدرتها النسبيَّة على تمويل نفسها ذاتيًّا خلال عقد واحد فقط. وثالثها أنَّ تجاوز الدَّين العام حاجز المئة بالمئة من الناتج المحلِّي في مناطق الحكومة، وفق صندوق النقد الدولي، يضع اليمن ضمن فئة الدول ذات المديونيَّة المرتفعة جدًّا، وإنْ كان جزء كبير من هذا الدَّين داخليًّا ناتجًا عن التمويل النقدي بدل الاقتراض الخارجي التقليدي. أمَّا الدلالة الرابعة فهي أنَّ تزامن تراجع الإيرادات السياديَّة مع تراجع لا يقلُّ حدَّة في تمويل الاستجابة الإنسانيَّة الدوليَّة (٩٫٦ بالمئة فقط) يعني عمليًّا غياب أيّ من خطَّي الدفاع التقليديَّين، الحكومي والدولي، عن الفئات الأكثر ضعفًا في آن واحد.
الفصل الثاني: الإطار المؤسَّسي، والتاريخي لانقسام الاقتصاد اليمني
٢-١ نشأة الانقسام النقدي:
لم يكن انقسام الاقتصاد اليمني إلى منطقتين نقديَّتين وليد لحظة واحدة، بل تراكم عبر سلسلة قرارات مؤسَّسيَّة بدأت فعليًّا في سبتمبر ٢٠١٦م حين نُقل مقرُّ البنك المركزي اليمني رسميًّا من صنعاء إلى عدن، في خطوة قصد بها آنذاك حرمان سلطات الأمر الواقع في صنعاء من التحكُّم في الاحتياطيَّات النقديَّة، وإصدار العملة. غير أنَّ هذا القرار، على أهميَّته السياسيَّة، أفضى عمليًّا إلى نشوء بنك مركزي موازٍ في صنعاء يواصل إصدار تعليمات نقديَّة خاصَّة به، وإدارة حسابات مصرفيَّة منفصلة، بل ولاحقًا سكّ عملات معدنيَّة، وورقيَّة جديدة من فئات مختلفة رفضت الحكومة المعترف بها دوليًّا الاعتراف بشرعيَّتها، واصفة إيَّاها عملة مزوَّرة تمثِّل انتهاكًا لصلاحيَّات البنك المركزي الشرعي في عدن.
٢-٢ إعادة هيكلة القطاع المصرفي، ونقل البنوك إلى عدن:
في مسعى لتحصين القطاع المصرفي من تعسف سلطات الأمر الواقع في صنعاء، ولضمان التزام البنوك التجاريَّة بمعايير مكافحة غسل الأموال، وتمويل الإرهاب الدوليَّة، اتخذ البنك المركزي اليمني في عدن قرارًا في مطلع أبريل بنقل المراكز الرئيسة لجميع البنوك التجاريَّة، والإسلاميَّة، وبنوك التمويل الأصغر من صنعاء إلى العاصمة المؤقَّتة عدن، ومنحها مهلة ستِّين يومًا لاستكمال هذا الانتقال، محذِّرًا من اتخاذ إجراءات قانونيَّة بحقِّ البنوك المخالِفة وفق أحكام قانون مكافحة غسل الأموال النافذ. وقد حظي هذا القرار بدعم محلِّي، وإقليمي، ودولي واسع بعدِّه خطوة ضروريَّة لإنقاذ القطاع المصرفي اليمني من الانزلاق الكامل تحت هيمنة جماعة مصنّفة دوليًّا على لوائح الإرهاب، وإنْ كان تنفيذه واجه تحدِّيات لوجستيَّة، وتشغيليَّة كبيرة تتعلَّق بإعادة تأسيس البنية التقنيَّة، والتشغيليَّة للبنوك في مدينة تعاني أصلًا من ضغط سكاني، وخدمي متزايد.
٢-٣ عودة صندوق النقد الدولي إلى المشهد اليمني:
شكّل استئناف صندوق النقد الدولي مشاورات المادَّة الرابعة مع اليمن في عام ٢٠٢٥م، بعد توقُّف دام أحد عشر عامًا كاملة منذ اندلاع الحرب، تطوُّرًا مؤسَّسيًّا بالغ الأهميَّة؛ إذْ يمثِّل أوَّل تقييم مستقلٍّ، وشامل لأوضاع الماليَّة العامَّة، والسياسة النقديَّة اليمنيَّة منذ توقُّف برنامج التسهيل الائتماني الممدَّد الذي كان قائمًا قبل عام ٢٠١٤م. وقد وصف الصندوق في بيانه الختامي الصادر في التاسع من أكتوبر ٢٠٢٥م أنَّ استئناف هذه المشاورات يعكس تحسُّنًا ملموسًا في القدرة المؤسَّسيَّة للحكومة اليمنيَّة، وفي جودة البيانات الاقتصاديَّة المقدَّمة، وهو ما يفتح الباب أمام إمكانيَّة التفاوض لاحقًا على برنامج دعم مالي رسمي، حتى وإنْ ظلَّ الصندوق حذرًا في ربط أيّ دعم من هذا النوع بإصلاحات صارمة في إدارة الإنفاق العام، والرواتب.
الفصل الثالث: الإيرادات العامَّة، والماليَّة العامَّة
٣-١ حصار الصادرات النفطيَّة وانهيار الإيرادات السياديَّة:
يشكِّل حصار موانئ تصدير النفط أخطر أشكال الضغط الاقتصادي المباشر الذي تتعرَّض له الحكومة المعترف بها دوليًّا. فمنذ أواخر عام ٢٠٢٢م، شنّت جماعة الحوثي سلسلة متكرِّرة من الهجمات بالطائرات المسيّرة استهدفت ميناء الضبَّة النفطي في حضرموت، وميناء النشيمة في شبوة، ما أجبر ناقلات النفط في أكثر من مناسبة على مغادرة الموانئ دون تحميل شحناتها، وأدَّى إلى تعليق شبه كامل لصادرات النفط الخام. وقد كانت عائدات النفط، وفق تقديرات معهد الشرق الأوسط، توفِّر للحكومة قبل هذا التصعيد نحو مليار دولار سنويًّا، أي أكثر من نصف إجمالي إيراداتها، وكانت هذه الموارد وحدها تغطِّي رواتب أكثر من مئتي ألف موظَّف مدني، وأكثر من ثلاثمئة ألف عنصر عسكري وأمني. ومع توقُّف هذا المصدر الرئيس للدخل، فقدت الحكومة عمليًّا أهم أداة تمويل ذاتي كانت تمتلكها منذ بدء الحرب.
تؤكِّد بيانات صندوق النقد الدولي هذا التدهور بأرقام دقيقة؛ إذْ تراجعت إيرادات الحكومة كنسبة من الناتج المحلِّي الإجمالي من ٢٢٫٥ بالمئة في عام ٢٠١٤م إلى أقلّ من ١٢ بالمئة في عام ٢٠٢٤م، وهو تراجع يعادل فقدان الدولة لأكثر من نصف قدرتها النسبيَّة على تمويل نفسها خلال عقد واحد. وبالتوازي، أظهر مرصد الاقتصاد اليمني الصادر عن البنك الدولي في نسخته لربيع ٢٠٢٦م أنَّ إجمالي الإيرادات شاملة المنح الخارجيَّة هبط إلى ٥٫٦ بالمئة فقط من الناتج المحلِّي الإجمالي في عام ٢٠٢٥م، مقارنة بـ٨٫٦ بالمئة في العام السابق، ويعزى هذا التراجع الحاد بشكل رئيس إلى انكماش المنح الخارجيَّة من ٣٫٦ إلى ٠٫٨ بالمئة من الناتج المحلِّي قبل أنْ تشهد بعض التعافي مطلع عام ٢٠٢٦م بفعل استئناف الدعم السعودي.
٣-٢ استجابة البنك المركزي اليمني، والإنذارات المبكِّرة:
لم تكن هذه التطوُّرات مفاجئة للبنك المركزي اليمني، الذي أكَّد في بيانات رسميَّة متكرِّرة أنَّه حذّر منذ اللحظة الأوَّلى لتصاعد الاعتداءات الحوثية على قطاع النفط في أكتوبر ٢٠٢٢م من المآلات الخطيرة لهذه الهجمات، وتداعياتها المباشرة على الرواتب، والخدمات العامَّة، وأنَّه اقترح على مدى ثلاث سنوات متتالية عددًا من المعالجات لتقليل الآثار، وتفادي الاختناقات الماليَّة، من بينها ضبط أوَّلويَّات الإنفاق العام، وتفعيل آليَّات تحصيل بديلة عبر الجمارك، والضرائب المحلِّية. وقد رافقت هذه التحذيرات دعوات متكرِّرة من محافظة البنك إلى مساندة رئاسيَّة، وحكوميَّة أوسع تمكّنه من ممارسة صلاحياته النقديَّة، والرقابيَّة بوصفه – وفق تعبيره الرسمي – الجهة الوحيدة المخوّلة دستوريًّا، وقانونيًّا بالإشراف على القطاع المصرفي، وتنسيق السياسة النقديَّة مع المجتمع الدولي، والمؤسَّسات الماليَّة الدوليَّة ذات العلاقة.
٣-٣ الاعتماد على الدعم الخارجي كصمام أمان مؤقَّت:
في ظلِّ هذا الفراغ التمويلي، اضطلع الدعم المالي الخارجي، وبخاصَّة السعودي عبر البرنامج السعودي لتنمية، وإعمار اليمن، بدور محوريٍّ في تخفيف الضغط على حسابات البنك المركزي في عدن. فقد أظهرت بيانات متتالية على مدى عامين إيداع دفعات دعم للموازنة العامَّة بلغت خمسمئة مليون دولار كدعم اقتصادي جديد أواخر عام ٢٠٢٤م، ودفعة ثانية بقيمة مئتين وخمسين مليون دولار مطلع العام نفسه، ودعمًا متكاملًا بلغ نحو ١٫٩ مليار ريال سعودي في يناير ٢٠٢٦م، ومبلغ ١٫٣ مليار ريال سعودي في فبراير من العام نفسه؛ لتغطية النفقات التشغيليَّة، والرواتب، ومنحة وقود بقيمة مئة وخمسين مليون دولار في مايو ٢٠٢٦م لتشغيل محطَّات الكهرباء. وقد رصد صندوق النقد الدولي في بيانه الختامي لعام٢٠٢٥م حزمة دعم سعوديَّة إضافيَّة بقيمة ٣٦٨ مليون دولار أُعلن عنها في سبتمبر من العام نفسه؛ لدعم الموازنة، والطاقة، والصحَّة، واصفًا إيَّاها بأنَّها خطوة إيجابيَّة قد تفتح الباب أمام مزيد من المساعدات إذا واصلت الحكومة جهودها الإصلاحيَّة. غير أنَّ الصندوق نبّه في الوقت نفسه إلى أنَّ هذا النمط من الدعم الدوري، على أهمِّيَّته الآنيَّة، لا يمكن أنْ يحل َّمحلَّ الإصلاحات البنيوية اللازمة لاستعادة الاستدامة الماليَّة، ودعا إلى تشديد الرقابة على الإنفاق عبر محافظات الحكومة، وتحسين إدارة السيولة النقديَّة، ورقمنة الإدارة الضريبيَّة، ومعالجة الاختلالات في كشوف الرواتب للحدِّ من تضخُّم فاتورة الأجور.
الفصل الرابع: الدَّين العام، والعلاقة مع صندوق النقد الدولي
٤-١ حجم المديونيَّة، وبنيتها:
كشف صندوق النقد الدولي في بيانه الختامي لمشاورات المادَّة الرابعة لعام٢٠٢٥م أنّ الدَّين العام في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دوليًّا قد تجاوز مئة بالمئة من الناتج المحلِّي الإجمالي، وهو مستوى يضع اليمن ضمن فئة الاقتصادات الأكثر هشاشة ماليًّا في العالم. ويتكوَّن هذا الدَّين من مزيج غير متجانس من التمويل النقدي المباشر من البنك المركزي لتغطية عجز الموازنة، والدَّين المحلِّي المتراكم تجاه المصارف، والقطاع الخاص، والدَّين الخارجي الذي قدّرته وزارة الماليَّة اليمنيَّة، بالتعاون مع خبراء الصندوق بعد انتقال الحكومة إلى العاصمة المؤقَّتة عدن، بنحو خمسة مليارات، ونصف إلى ستَّة مليارات دولار. وقد أوضح وزير الماليَّة اليمني في تصريحات صحفيَّة أنَّ الحكومة تسعى إلى طرح ملف تخفيف عبء هذا الدَّين ضمن اجتماعات نادي باريس، في وقت لا يزال فيه الوضع القانوني لجزء من الديون المتراكمة قبل انتقال البنك المركزي محلّ نزاع بين السلطتين النقديَّتين في عدن، وصنعاء.
٤-٢ استئناف مشاورات المادَّة الرابعة: دلالات ومسارات
يحمل استئناف صندوق النقد الدولي مشاوراته مع اليمن بعد فجوة دامت أحد عشر عامًا دلالة مزدوجة. فمن جهة، يعكس هذا الاستئناف تحسنًا في القدرة المؤسَّسيَّة لدى الحكومة اليمنيَّة على إنتاج بيانات اقتصاديَّة موثوقة، وقابلة للتحليل، وهو شرط أساس لأيِّ تفاوض مستقبلي على برنامج دعم رسمي. ومن جهة أخرى، أظهر بيان الصندوق أنَّ الطريق نحو استعادة الاستدامة الماليَّة يتطلَّب حزمة إصلاحات هيكليَّة عميقة، من بينها فرض ضوابط صارمة على الإنفاق عبر مختلف محافظات الحكومة، وتحسين إدارة السيولة النقديَّة اليوميَّة، ومعالجة الاختلالات المزمنة في كشوف الرواتب الحكوميَّة، والعسكريَّة التي تضخِّم فاتورة الأجور دون أنْ تقابلها زيادة موازية في الإنتاجيَّة، أو الخدمة الفعليَّة. وقد أشاد الصندوق تحديدًا بالإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتثبيت سعر الصرف، وفي مقدّمتها إنشاء اللجنة الوطنيَّة لتنظيم، وتمويل الواردات في يوليو ٢٠٢٥م، معدًّا أنَّها ساهمت مؤقّتًا في تحسين استقرار العملة، وخفض معدَّلات التضخُّم.
٤-٣ مسار التعافي المتوقُّع ومحدّداته:
توقُّع صندوق النقد الدولي في تحليله تعافيًّا اقتصاديًّا تدريجيًّا لليمن خلال السنوات المقبلة؛ إذْ يرتفع معدَّل النمو من نحو نصف بالمئة في عام ٢٠٢٦م إلى نحو ٢٫٥ بالمئة بحلول عام ٢٠٣٠م، مدفوعًا بتحسًّن الصادرات غير النفطيَّة، وتحويلات العاملين اليمنِّيين في الخارج، وتنفيذ مشاريع تنمويَّة بدعم من الشركاء الدوليِّين. غير أنَّ هذا المسار التفاؤلي النسبي يبقى مشروطًا بعدَّة محدِّدات جوهريَّة تتقاطع جميعها مع محاور هذه الدراسة: استمرار تدفق الدعم الخارجي دون انقطاع، وعدم تجدُّد استهداف البنية النفطيَّة، والتجاريَّة، ونجاح الحكومة في تنفيذ إصلاحات إدارة الإنفاق، والرواتب التي أوصى بها الصندوق، إلى جانب استقرار الأوضاع الأمنيَّة الإقليميَّة في البحر الأحمر التي تؤثِّر مباشرة في تكاليف الاستيراد، والتصدير.
الفصل الخامس: سعر الصرف والأسعار، والقوَّة الشرائيَّة
٥-١ مسار الانهيار، والتعافي الجزئي:
يُعدُّ تدهور سعر صرف الريال اليمني في مناطق سيطرة الحكومة أحد أبرز مظاهر الضغط الاقتصادي، وأكثرها تأثيرًا مباشرًا في معيشة السكان؛ لأنَّه يمس كل أسرة يمنيَّة في مناطق الحكومة بصرف النظر عن مستوى دخلها. فقد تراجعت قيمة الريال في سوق عدن من نحو ١٥٤٠ ريالًا للدولار الواحد في بداية عام ٢٠٢٤م إلى نحو ٢٠٦٥ ريالًا بنهاية العام، أي بانخفاض يقارب ٣٤ بالمئة خلال اثني عشر شهرًا فقط، ثمَّ واصل الانهيار خلال النصف الأوَّل من عام٢٠٢٥م حتى بلغ مستوىً تاريخيًّا متدنيًّا قارب ٢٩٠٥ ريالات للدولار في يوليو من العام نفسه. وقد جاء هذا الانهيار المتسارع نتيجة تضافر عوامل عدَّة، أبرزها استمرار حصار الصادرات النفطيَّة، وتوقُّف أهم مصادر النقد الأجنبي للدولة، وضعف ثقة السوق في قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها، وتصاعد المضاربة في قطاع الصرافة غير المنظَّم.
غير أنَّ هذا الانهيار الحادّ لم يستمر دون استجابة؛ فقد اتخذ البنك المركزي اليمني في عدن سلسلة من الإجراءات التثبيتيَّة شملت إنشاء اللجنة الوطنيَّة لتنظيم، وتمويل الواردات في يوليو ٢٠٢٥م، والتي موّلت خلال شهر يناير وحدها ما قيمته ستمئة مليون دولار لاستيراد السلع الأساسيَّة، ليصل إجمالي تمويلها منذ بدء عملها إلى أكثر من ثلاثة مليار دولار. كما شدَّد البنك رقابته على قطاع الصرافة عبر تفتيش ميداني منتظم لمحال الصرافة، والشركات، أسفر عن سحب تراخيص عشرات الكيانات المتورِّطة في المضاربة على العملة. وقد نجحت هذه الإجراءات مجتمعة في إعادة سعر الصرف إلى مستويات أكثر استقرارًا نسبيًّا، تراوحت بين ١٥٢٠ و١٦٧٦ ريالًا للدولار خلال عامي٢٠٢٥م و٢٠٢٦م، وهو ما أكَّده صندوق النقد الدولي في بيانه الختامي حين أشاد بدور هذه الإجراءات في تحسين استقرار العملة، وخفض معدَّلات التضخُّم، محذِّرًا في الوقت ذاته من أنَّ استدامة هذا الاستقرار تبقى مرهونة باستمرار الدعم الخارجي، وانضباط تمويل الواردات.
٥-٢ ازدواجيَّة النظام النقدي، وأزمة السيولة في الشمال:
في المقابل، حافظت مناطق سيطرة الحوثيين على استقرار اسمي أكبر في سعر صرف الريال القديم المتداول لديها، والذي ظلَّ يتراوح غالبًا بين ٥٣٠ و٥٤٠ ريالًا للدولار بفضل قيود نقديَّة صارمة تفرضها سلطات صنعاء على السحب، والتحويل، والاستيراد. غير أنَّ هذا الاستقرار الظاهري يخفي أزمة سيولة متفاقمة، تجلَّت بوضوح في إقدام سلطات صنعاء على طرح فئات نقديَّة جديدة متعدِّدة خلال السنوات الأخيرة، من بينها قطعة معدنيَّة من فئة مئة ريال وصفتها الحكومة اليمنيَّة بأنَّها مزوّرة، ثمَّ ورقة نقديَّة من فئة مئتي ريال، وقطعة معدنيَّة من فئة خمسين ريالًا لاحقًا، بذريعة استبدال الأوراق النقديَّة التالفة. وقد رفض البنك المركزي في عدن الاعتراف بشرعيَّة هذه الإصدارات، واصفًا إيَّاها انتهاكًا مباشرًا لصلاحيَّاته الحصريَّة في سكِّ العملة، فيما رأى محلِّلون اقتصاديُّون في هذه الخطوة مؤشِّرا واضحًا على تفاقم أزمة السيولة الفعليَّة في مناطق سيطرة الحوثيين، محذِّرين من أنَّ توسيع الكتلة النقديَّة المتداولة دون غطاء احتياطي كافٍ يحمل في طيَّاته مخاطر تضخُّميَّة مؤجَّلة قد تنفجر لاحقًا في اللحظة التي تضعف فيها قدرة سلطات صنعاء على فرض قيودها الإداريَّة الصارمة الحاليَّة.
٥-٣ الأثر المباشر على الأسعار، والقوَّة الشرائيَّة:
انعكس تدهور العملة، وارتفاع تكاليف الاستيراد على أسعار السلع الأساسيَّة بشكل مباشر وسريع، إذْ سجَّل سعر سلَّة الغذاء الأساسيَّة في مناطق الحكومة ارتفاعًا بلغ نحو ٢٦ بالمئة على أساس سنوي حتى يونيو ٢٠٢٥م، فيما تجاوز معدَّل التضخُّم العام ٣٠ بالمئة خلال عام ٢٠٢٤م في هذه المناطق وفق تقديرات البنك الدولي. وقد أدَّى هذا الارتفاع المتواصل والمتسارع في الأسعار إلى تآكل حادٍّ في القوَّة الشرائيَّة للأسر، وبخاصَّة موظَّفي القطاع العام، والعسكري الذين لم تُعدَّل رواتبهم الاسميَّة بما يتناسب مع وتيرة التضخُّم منذ سنوات، ما يعني أنَّ قيمتها الحقيقية قد تراجعت بشكل جوهري رغم بقاء أرقامها الاسميَّة دون تغيير. وتشير تقديرات البنك الدولي في تقييمه للفقر، والإنصاف لعام ٢٠٢٤م إلى أنَّ الناتج المحلِّي الإجمالي للفرد في اليمن قد هبط إلى نحو ٦٥٠ دولارًا فقط بحلول عام ٢٠٢٢م، وهو ما يفسّر جزئيًّا كيف تحوَّل ما كان يوصف قبل الحرب بأنَّه فقر واسع النطاق إلى ما يشبه اليوم أزمة بقاء شاملة تطال الغالبيَّة العظمى من السكان.
الفصل السادس: سلاسل الإمداد والنقل والموانئ
تُشكّل الملاحة البحريَّة عبر مضيق باب المندب، والبحر الأحمر شريانًا أساسيًّا لتجارة المحافظات المحرَّرة، واستيرادها للسلع الأساسيَّة والوقود، نظرًا لاعتماد اليمن على استيراد الجزء الأكبر من احتياجاته الغذائيَّة من الخارج. وقد أدَّى تصاعد التوتُّرات الأمنيَّة في البحر الأحمر، مع تسجيل أكثر من أربعمئة وخمسين حادثًا أمنيًّا بحريًّا خلال عام ٢٠٢٤م وفق بيانات البنك الدولي، إلى اضطراب واضح في مسارات الشحن الدوليَّة، وارتفاع ملحوظ في تكاليف النقل البحري، والتأمين على البضائع المتجهة إلى الموانئ اليمنيَّة، وهو ما ينعكس بدوره بشكل مباشر على أسعار السلع المستوردة في السوق المحلِّية، ويضاعف من حدَّة الضغط التضخُّمي الذي يعانيه المستهلك اليمني أصلًا نتيجة تدهور سعر الصرف.
وإلى جانب هذه المخاطر الخارجيَّة الناجمة عن التوتُّرات الإقليميَّة، تعرَّضت موانئ تصدير النفط الحكوميَّة بشكل مباشر، ومتكرِّر لهجمات استهدفت تعطيل حركة الناقلات، وإجبارها على مغادرة الموانئ دون تحميل شحناتها، ما زاد من هشاشة سلاسل الإمداد المرتبطة بالإيرادات السياديَّة على وجه الخصوص، وميّز هذا النمط من الاستهداف عن مخاطر الملاحة العامَّة كونه موجَّهًا بشكل متعمَّد، ومباشر ضدَّ البنية الاقتصاديَّة للدولة بدل كونه أثرًا جانبيًّا لصراع إقليمي أوسع. وفي مواجهة هذا الواقع المزدوج، لجأت الحكومة إلى إجراءات تعويضيَّة؛ لتخفيف الأثر على حركة النقل، والتجارة الداخليَّة، من بينها خفض رسوم نقل البضائع باتجاه المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيِّين بنسبة عشرين بالمئة في محاولة لتعويض تراجع القوَّة الشرائيَّة هناك، وهو إجراء يعكس أيضًا حقيقة الترابط الوظيفي العميق بين اقتصادي المنطقتين، رغم الانقسام السياسي، والمؤسَّسي الحاد بينهما. وتبقى الموانئ الحكوميَّة الرئيسة، وعلى رأسها ميناء عدن الذي يمثِّل المنفذ التجاري الأهم للمحافظات المحرَّرة، عرضة لمخاطر مزدوجة تتمثَّل في الاضطرابات الأمنيَّة الإقليميَّة من جهة، والاستهداف المباشر لمنشآت التصدير النفطي من جهة أخرى، وهو ما يجعل من تنويع مسارات الإمداد، وتعزيز القدرة الاستيعابيَّة لهذه الموانئ أولويَّة استراتيجيَّة لا تقل أهميَّة عن الإصلاحات الماليَّة، والنقديَّة.
الفصل السابع: الطاقة والخدمات الأساسيَّة، والاستجابة الإنسانيَّة
٧-١ اعتماد قطاع الطاقة على المنح الخارجيَّة:
يعتمد تشغيل محطَّات الكهرباء في عدد كبير من المحافظات المحرَّرة بشكل شبه كامل على منح وقود خارجيَّة، وعلى رأسها الدعم السعودي المباشر عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، الذي خصَّص في مايو ٢٠٢٦م وحده منحة بقيمة مئة وخمسين مليون دولار؛ لتشغيل محطات توليد الكهرباء في المناطق الحكوميَّة. وهذا النمط المتكرِّر من التمويل الخارجي يجعل استمراريَّة الخدمة الأساسيَّة الأكثر حساسيَّة اجتماعيًّا، وسياسيًّا، أي الكهرباء، مرهونة بتدفُّقات مساعدات خارجيَّة غير دائمة، وغير مضمونة الاستمرار، بدل أنْ تستند إلى موارد ذاتيَّة مستقرَّة، أو استثمارات هيكليَّة طويلة المدى في قطاع الطاقة، ما يجعل أيّ انقطاع، أو تأخُّر في هذه المنح، ولو كان مؤقَّتًا، كفيلًا بإحداث أزمة خدميَّة فوريَّة قد تتحوَّل بسرعة إلى احتجاجات شعبيَّة واسعة، كما شهدت مدينة عدن، ومحافظات مجاورة في مناسبات سابقة.
٧-٢ الانهيار غير المسبوق في التمويل الإنساني الدولي:
وفي موازاة ذلك، دخلت المنظومة الإنسانيَّة الدوليَّة العاملة في اليمن مرحلة تقشُّف حادَّة، وغير مسبوقة. فقد أطلق مكتب الأمم المتَّحدة لتنسيق الشؤون الإنسانيَّة في الثامن عشر من مارس ٢٠٢٦م خطَّة الاستجابة الإنسانيَّة لعام ٢٠٢٦م بقيمة ٢٫١٦ مليار دولار تستهدف نحو اثني عشر مليون شخص من أصل أكثر من اثنين وعشرين مليونًا، وثلاثمئة ألف محتاج للمساعدة، والحماية في عموم اليمن، بينهم خمسة ملايين ومئتا ألف نازح داخليًّا وثلاثمئة وتسعة وعشرون ألف مهاجر، وثلاثة وستون ألف لاجئ وطالب لجوء. إلاَّ أنَّ نسبة تمويل هذه الخطَّة لم تتجاوز نحو ٩٫٦ بالمئة فقط من احتياجاتها بحلول أواخر مارس ٢٠٢٦م، وفق تقرير تحليل الأزمة الإنسانيَّة الصادر عن الوكالة السويدية للتعاون الإنمائي الدولي نقلًا عن بيانات أوتشا، وهي من أدنى نسب التمويل المسجَّلة منذ بدء الاستجابة الإنسانيَّة لليمن قبل أكثر من عقد.
ولا يقتصر هذا التراجع على خطَّة الاستجابة العامَّة، بل يمتدُّ إلى الوكالات المتخصِّصة كذلك؛ فقد أعلنت المفوضيَّة الساميَّة للأمم المتَّحدة لشؤون اللاجئين أنَّ احتياجاتها التمويليَّة لعملياتها في اليمن لعام ٢٠٢٦م تبلغ مئة وثلاثة وتسعين مليونًا، وستمئة ألف دولار، فيما لم يتم تمويل سوى خمسة عشر بالمئة منها فقط حتى نهاية أبريل من العام نفسه، ما ترك فجوة تمويليَّة تقارب مئة وأربعة وستين مليونًا، ونصف المليون دولار، وأثّر بشكل مباشر على قدرة الوكالة على تقديم الحماية، والمأوى، والخدمات الأساسيَّة للاجئين، والمجتمعات المضيفة على حدٍّ سواء. ويحذِّر تقرير سياساتي صادر عن اللجنة الدوليَّة للإنقاذ في يناير ٢٠٢٦م من أنَّ تراجع التمويل الإنساني في عام ٢٠٢٥م، الذي لم يتجاوز ربع الاحتياجات المعلنة، أدَّى إلى تقويض مباشر لأنظمة الأمن الغذائي، والتغذية، والترصد الوبائي في وقت تبلغ فيه الاحتياجات ذروتها التاريخيَّة؛ إذْ اقتصر تمويل قطاع التغذية على أقلِّ من عشرة بالمئة، وقطاع الأمن الغذائي، والزراعة على خمسة عشر بالمئة فقط من احتياجاته.
٧-٣ تراجع الوصول إلى الخدمات الأساسيَّة على المدى الطويل:
يعكس هذا التراجع المزدوج في التمويل الحكومي، والدولي أثره بوضوح في مؤشِّرات الوصول إلى الخدمات الأساسيَّة على المدى الطويل. فوفق تقييم البنك الدولي للفقر، والإنصاف في اليمن الصادر عام ٢٠٢٤م، انخفضت نسبة الأسر المرتبطة بشبكة الكهرباء العامَّة من ثمانية وسبعين بالمئة في عام ٢٠١٤م إلى خمسة عشر بالمئة فقط بحلول عام ٢٠٢٣م، بينما تراجعت نسبة الوصول إلى مياه الشرب المحسّنة من سبعة وخمسين بالمئة إلى ستة عشر بالمئة خلال الفترة نفسها. ويؤكِّد التقرير ذاته أنَّ نحو ستة وثمانين بالمئة من الأسر اليمنيَّة قد استنفدت غالبيَّة أصولها الإنتاجيَّة، من ماشية أو أراضٍ، ما يعني عمليًّا أنَّها فقدت قدرتها على امتصاص أيّ صدمة اقتصاديَّة إضافيَّة دون اللجوء إلى استراتيجيَّات تكيُّف سلبيَّة للغاية، من قبيل تشغيل الأطفال، أو تسوُّل الفتيات، أو بيع الممتلكات الأخيرة، على النحو الذي أشارت إليه تقارير تصنيف الأمن الغذائي المتكامل بشكل متكرِّر.
الفصل الثامن: القطاع الخاص، وفرص العمل، والفقر، والأمن الغذائي
٨-١ بيئة أعمال طاردة للاستثمار:
يعاني القطاع الخاص في المحافظات المحرَّرة من بيئة أعمال بالغة الصعوبة تتَّسم بضعف الوصول إلى التمويل المصرفي، وتقلب حادٍّ في سعر الصرف يصعّب أيّ تخطيط مالي متوسِّط المدى، وضعف متزايد في الطلب المحلِّي نتيجة تآكل الدخول الحقيقيَّة للأسر. وتشير تقارير البنك الدولي إلى أنَّ هذه العوامل مجتمعة تحدُّ بشكل كبير من قدرة القطاعات الاقتصاديَّة غير النفطيَّة على التوسع، أو حتى الحفاظ على مستويات نشاطها الحاليَّة، فيما يبقى العمل اليومي، وغير المنتظم السمة الغالبة على سوق العمل في ظلِّ غياب فرص التوظيف الرسمي المستقر. وتؤكِّد بيانات مؤشِّرات التنمية العالميَّة للبنك الدولي أنَّ معدَّل بطالة الشباب في اليمن قد بلغ نحو ٣٢٫٦ بالمئة في عام ٢٠٢٥م، وهو من أعلى المعدَّلات المسجَّلة عالميًّا، ما يعكس فشل الاقتصاد المحلِّي في استيعاب الأعداد المتزايدة من الداخلين الجدد إلى سوق العمل سنويًّا في ظلِّ الركود المستمر.
٨-٢ من الفقر الواسع إلى أزمة البقاء الشاملة:
لم يعد الفقر في اليمن ظاهرة قطاعيَّة محدودة، بل تحوَّل إلى سمة بنيويَّة شاملة تطال الغالبيَّة العظمى من السكان. فبعد أنْ كان معدَّل الفقر الوطني يقدَّر بنحو تسعة وأربعين بالمئة قبيل اندلاع الحرب في عام ٢٠١٤م، كشف تقرير البنك الدولي لتقييم الفقر، والإنصاف الصادر في أغسطس ٢٠٢٤م أنَّ هذا المعدَّل قد قفز إلى نحو أربعة وسبعين بالمئة من السكَّان، في تحوُّل جذري يعكس عمق الانهيار الاقتصادي المتراكم على مدى عقد كامل من الصراع. وقد ترافق هذا الارتفاع الهائل في معدَّل الفقر مع انكماش الناتج المحلِّي الإجمالي بنسبة ستة وخمسين بالمئة، وتراجع نصيب الفرد منه إلى ما يقارب ستمئة وخمسين دولارًا فقط بحلول عام ٢٠٢٢م، وهو مستوى يضع اليمن ضمن أفقر دول العالم دون منازع، ويجعل من أيِّ صدمة اقتصاديَّة إضافيَّة، مهما بدت محدودة، عاملًا كافيًا لدفع شرائح واسعة إضافيَّة نحو خطِّ الفقر المدقع.
٨-٣ الأمن الغذائي: من الأزمة الموسميَّة إلى الحالة البنيويَّة
يترافق هذا التدهور الاقتصادي العام مع تصاعد مستمر في معدَّلات انعدام الأمن الغذائي الحادّ داخل المحافظات المحرَّرة تحديدًا. فقد أظهر أحدث تصنيف مرحلي متكامل للأمن الغذائي صادر في مايو ٢٠٢٦م أنَّ نحو سبعة وأربعين بالمئة من سكَّان المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، أي ما يقارب خمسة ملايين شخص، يواجهون مستويات حادَّة من انعدام الأمن الغذائي تصنَّف في المرحلة الثالثة فأعلى، من بينهم نحو مليون وأربعمئة ألف شخص في مرحلة الطوارئ الرابعة، وذلك خلال الفترة الممتدَّة بين مارس ومايو ٢٠٢٦م، رغم تلقي نحو مليون وسبعمئة ألف شخص مساعدة غذائيَّة إنسانيَّة محدودة خلال الفترة نفسها كانت ستكون حدَّة الأزمة أعلى بكثير في غيابها. وتشير التوقُّعات الصادرة عن التصنيف ذاته إلى تفاقم إضافي متوقُّع خلال موسم الجوع الممتد بين يونيو وسبتمبر ٢٠٢٦م؛ إذْ يُتوقُّع أنْ يرتفع عدد المتأثِّرين إلى خمسة ملايين، وأربعمئة ألف شخص، أي ما يعادل واحدًا وخمسين بالمئة من سكَّان هذه المناطق، مع ارتفاع موازٍ لعدد من هم في مرحلة الطوارئ إلى مليون ونصف المليون شخص. وتُعزى هذه التوقُّعات المتشائمة أساسًا، وفق التصنيف ذاته، إلى استمرار تدهور القوَّة الشرائيَّة للأسر، والتراجع الحادّ في المساعدات الإنسانيَّة أكثر من ارتباطها بتصعيد عسكري واسع النطاق بحدِّ ذاته، ما يؤكِّد الطابع الاقتصادي البنيوي العميق لهذه الأزمة، ويعني أنَّها لن تُحلَّ بمجرَّد وقف إطلاق النار، أو تراجع حدَّة المواجهات العسكريَّة وحدها، بل تتطلَّب معالجة جذريَّة لأسبابها الاقتصاديَّة والماليَّة المتجذَّرة.
9-3 خريطة الفقر متعدِّد الأبعاد:
تلفّحت خارطة الفقر في اليمن بظلال ثقيلة ومعقَّدة خلال الأعوام الممتدَّة بين 2020م و2025م؛ فلم تكن هذه الأزمة وليدة اللحظة، بل ضربت جذورها بعمق في بنية الاقتصاد المنهار منذ ما قبل اندلاع الصراع الأخير، حين سجَّلت معدَّلات الفقر النقدي نحو 49% في عام 2014م. ومع توالي سنوات الحرب، شهدت سبل العيش تدهورًا مأساويًّا قفز بنسبة الفقر النقدي إلى نحو 80% بحلول عام 2022م، بينما توثِّق تقديرات البنك الدولي لعام 2024م بقاء نحو 74% من اليمنِّيين تحت خطِّ الفقر، ليقبع اليمن في مرتبة متأضِّية ضمن أفقر 15% من دول العالم أجمع.
اتجاهات الفقر متعدِّد الأبعاد: فجوة الريف والحضر
يكشف تقرير برنامج الأمم المتَّحدة الإنمائي (UNDP) الصادر في فبراير 2024م بشأن “قياس الفقر متعدِّد الأبعاد في اليمن” (استنادًا إلى المسح العنقودي MICS 2022-2023) عن واقع بالغ الخطورة؛ إذْ يعاني نحو 82.7% من أفراد الشعب اليمني من حرمان متعدِّد الأبعاد (ما يزيد على 8 من كل 10 أفراد)، في حين تُصنَّف نصف الأسر اليمنيَّة كأسر فقيرة بمتوسِّط شدَّة حرمان تصل إلى 50.3%.
وتتجلَّى الهوَّة السحيقة بوضوح بين شقِّي الريف والحضر؛ ففي حين تبلغ نسبة الفقر متعدِّد الأبعاد بين أفراد الريف 89.4% (63.3% على مستوى الأسر)، تنخفض النسبة نسبيًّا في المدن لتسجِّل 68.9% بين الأفراد (و21.4% على مستوى الأسر). وعلى خريطة المحافظات، تتصدر محافظتا ريمة (91.3%) والجوف (84.6%) قائمة الأكثر حرمانًا على مستوى الأسر، تليها حجَّة والجوف من حيث شدَّة الحرمان على مؤشِّر (MPI). وفي المقابل، تنعم محافظات مثل حضرموت (12.5%)، وعدن (13.8%)، وأمانة العاصمة (14.3%)، والمهرة (15.2%) بأدنى مستويات الفقر الأسري متعدِّد الأبعاد.
أبعاد الحرمان، ومحرِّكات الانهيار:
- لا يقف الفقر في اليمن عند حدود نقص الدخل النقدي، بل يتغلغل ليشمل حرمان الأسر من أبسط مقوِّمات الحياة من صحَّة، وتعليم، وتغذية، وسكن، وخدمات عامَّة:
- الأمن الغذائي، وسوء التغذية: يتصدَّر انعدام الأمن الغذائي قائمة المؤشِّرات المساهمة في الفقر متعدِّد الأبعاد بنسبة 15.9%، يليه سوء التغذية بنسبة 11.3%.
- التعليم، والخدمات الأساسيَّة: يشكِّل نقص سنوات الدراسة العبء الأكبر على الصعيد الوطني بنسبة 17.1%، يليه الاعتماد على وقود الطهي الصلب غير المحسَّن بنسبة 9.1%، ثمَّ تدهور مرافق الصرف الصحِّي بنسبة 8.1%.
- الكهرباء، والبنية التحتيَّة: تلاشت مكاسب ما قبل الحرب في قطاع الطاقة؛ إذْ يشير البنك الدولي إلى أنَّ 2% فقط من سكان المناطق الخاضعة لسلطات صنعاء يصلون إلى الكهرباء العامَّة، مقارنة بـ 45% في مناطق الحكومة المعترف بها دوليًّا، فضلًا عن تدهور سبل كسب العيش لأكثر من 54% من السكان.
ذروة انعدام الأمن الغذائي، والتحدِّيات الإنسانيَّة:
مثَّلت الفترة بين 2020م و2022م مرحلة الذروة القاسية للأزمة الإنسانيَّة، متجاوزة أعداد المحتاجين في مرحلة الأزمة الغذائيَّة الحادَّة، أو ما أسوأ (IPC Phase 3+) نحو سبعة عشر مليون شخص (أكثر من 53% من السكان). ورغم التحسُّن المؤقَّت الذي أحدثته الهدنة المعلنة في عام 2022م، عادت الأزمة للتفاقم متأثِّرة بالانكماش الاقتصادي الحادّ، وتراجع العملة، وتعليق بعض المساعدات الغذائيَّة أواخر عام 2023م. وتؤكِّد أحدث بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) للفترة (مايو 2025م – فبراير 2026م) استمرار معاناة نحو سبعة عشر مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحادّ، بينهم أكثر من 5.2 مليون شخص في مرحلة الطوارئ (IPC Phase 4)، و11.9 مليون في مرحلة الأزمة (IPC Phase 3)، مع ظهور بؤر مهدِّدة بخطر الكارثة (IPC Phase 5) بحلول أواخر عام 2025م.
النازحون، واستراتيجيَّات التكيُّف القاسية:
تتداخل مأساة الفقر مع موجات نزوح داخلي واسعة تُقدَّر بما بين 14% إلى 41% وفق المسوح الشهريَّة للجهات الدوليَّة. وفي ظل انعدام البدائل، لجأت نسبة تتراوح بين 84% و90% من الأسر اليمنيَّة إلى “استراتيجيَّات تكيُّف سلبيَّة” تتمثَّل في تقليص الوجبات الغذائيَّة، واستنزاف ما تبقَّى من أصول، وممتلكات ضئيلة.
آفاق المستقبل حتى عام 2030م:
ترسم النماذج الاقتصاديَّة للبنك الدولي سيناريوهات قاتمة؛ فاستمرار الصراع، أو بقاؤه في حالة “جمود” سيبقِي معدَّلات الفقر محلِّقة فوق حاجز 74% حتى عام 2030م. ولا تلوح في الأفق بارقة لخفض الفقر إلى نحو 62% سوى عبر مسار “السلام غير المكتمل” المدعوم بحزم مساعدات دوليَّة واقتصاديَّة مكثَّفة تعيد بناء الحدّ الأدنى من مقوِّمات الحياة.
خارطة الطريق للتعافي في اليمن:
تتأرجح خيوط المشهد الإنساني في اليمن بين ركام الماضي، وآمال التعافي المرتجاة، في ملحمة معيشيَّة معقَّدة تمتد فصولها عبر الأعوام (2020–2025م). لم تكن أزمة الفقر وليدة الحرب الأخيرة فحسب، بل ضربت جذورها قبل صراع عام 2014م حين لامس الفقر النقدي عتبة 49%. ومع توالي سنوات النزاع، تفاقمت الأوضاع حتى بلغ الفقر النقدي نحو 80% بحلول عام 2022م، لتوثِّق تقارير البنك الدولي لعام 2024م بقاء نحو 74% تحت خطِّ الفقر، زارعة اليمن في قائمة أفقر 15% من دول العالم.
شظايا الحرمان متعدِّد الأبعاد، وتفاوت الجغرافيا:
لا يقف الوجع اليمني عند حدود نقص النقد، بل يتغلغل في تفاصيل الحياة اليوميَّة عبر مؤشِّرات الفقر متعدِّد الأبعاد التي وثَّقها تقرير برنامج الأمم المتَّحدة الإنمائي (UNDP) في فبراير 2024م. فبينما يكتوي أكثر من 82.7% من أفراد الشعب بحرمان متعدِّد الأبعاد، تتَّسع الهوَّة بصورة صارخة بين الريف، والحضر؛ إذْ يرتفع معدَّل الفقر بين أفراد الريف إلى 89.4%، مقارنة بنحو 68.9% في المدن. وتتصدَّر محافظتا ريمة (91.3%)، والجوف (84.6%) واجهات الحرمان الأسرى، بينما تسجِّل عدن، وحضرموت، وأمانة العاصمة، والمهرة أدنى مستويات الفقر.
يتصدَّر انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية قائمة محرِّكات هذا الحرمان بنسب تؤكِّد عمق المأساة، تليها سنوات الدراسة المنخفضة، والاعتماد على وقود الطهي غير المحسَّن، فضلًا عن انهيار البنى التحتيَّة من مياه وكهرباء؛ إذْ لا تتجاوز تغطية الكهرباء الحكوميَّة 2% في مناطق صنعاء مقابل 45% في مناطق الحكومة المعترف بها.
جحيم انعدام الأمن الغذائي، والنزوح القسري:
عبر سنوات الأزمة، بلغت المعاناة الغذائيَّة ذروتها عندما تجاوز عدد المحتاجين في المرحلتين (3+) من التصنيف المرحلي سبعة عشر مليون نسمة. ورغم الهدنة المؤقَّتة في 2022م، عادت التحدِّيات الاقتصاديَّة، وتراجع العملة لتُلقِي بظلالها القاتمة؛ لتشير توقُّعات التصنيف المرحلي (IPC) للفترة (مايز 2025م – فبراير 2026م) إلى استمرار معاناة سبعة عشر مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحادّ، بينهم 5.2 مليون يعانون من الطوارئ (المرحلة 4)، مع بروز بؤر مهدِّدة بالكارثة. ولم تكن مأساة النزوح الداخلي بمعزل عن ذلك؛ إذْ لجأت النسبة الأكبر من الأسر (بين 84% و90%) إلى آليَّات تكيف قاسية شملت تقليص الوجبات، واستنزاف الأصول المتبقِّية.
خارطة الطريق نحو التعافي: العبور من الإغاثة إلى التنمية:
في مواجهة هذا النفق المظلم، تبرز “خارطة الطريق للتعافي” الصادرة عن المؤسَّسات الدوليَّة كمنارة أمل للانتقال بالبلاد من طور الإغاثة الطارئة إلى فضاء الصمود، والاستدامة مرتكزة على ستَّة محاور جوهريَّة:
- تقليص فجوة الأمن الغذائي، ودعم الإنتاج المحلِّي: تحفيز التنمية الزراعيَّة، والحيوانيَّة، والسمكيَّة؛ لمواجهة غلاء الأسعار، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، مع مساندة صغار المزارعين في المناطق النائية.
- استعادة أصول، وسبل العيش: رفد الأسر الأكثر احتياجًا بالأصول الإنتاجيَّة كالماشية لحمايتها من استراتيجيَّات التكيُّف الضارة، إلى جانب تمكين النساء، وقطاع ريادة الأعمال المصغَّرة.
- تحديث برامج الحماية الاجتماعيَّة: تطوير آليَّات التحويلات النقديَّة الطارئة (ECT)، ومواءمة قيمتها مع التضخُّم المستعر لإنقاذ القوَّة الشرائيَّة للأسر.
- إعادة تأهيل البنية التحتيَّة، والخدمات: إحياء المرافق الصحِّيَّة، وشبكات المياه، والكهرباء، وإطلاق مشاريع سكنيَّة بأسعار معقولة للحدِّ من التكدُّس المعيشي.
- الاستثمار في البيانات، والإحصاءات: إجراء مسوحات شاملة لميزانيَّة الأسرة، وبناء منظومات إنذار مبكِّر دقيقة؛ لتوجيه الدعم لمستحقِّيه.
- الاستقرار السياسي، واللامركزيَّة: إرساء قواعد السلام الشامل كشرط أساس لا غنى عنه لأيِّ تعافي اقتصادي مستدام، مدعومًا بحوكمة لا مركزيَّة تمكِّن المجتمعات المحلِّيَّة من إدارة مواردها بكفاءة.
تبقى النظرة المستقبليَّة حتى عام 2030م مرهونة باختيار المسار؛ فبينما يُبقِي “الصراع المجمَّد” معدَّلات الفقر محلِّقة فوق حاجز 74%، يفتح “السلام غير المكتمل” المدعوم دوليًّا بابًا ضيِّقًا لخفض الفقر إلى نحو 62%، معيدًا بصيص الأمل لليمنِّيين بأنَّ طريق التعافي، رغم وعورته، يظلُّ ممكنًا إذا تكاتفت الإرادتان الإقليميَّة، والدوليَّة.
الفصل التاسع: تقييم المخاطر
٩-١ مخاطر مباشرة (قصيرة المدى):
تتصدَّر قائمة المخاطر قصيرة المدى احتمال تجدُّد استهداف موانئ تصدير النفط في الضبَّة، والنشيمة، أو غيرها من المنشآت النفطيَّة، وهو ما من شأنه أنْ يعطِّل بشكل مفاجئ، وحادّ الإيرادات السياديَّة المتبقيَّة أصلًا عند مستويات متدنِّية للغاية، على النحو الذي حذّر منه البنك المركزي اليمني مرارًا وتكرارًا منذ عام ٢٠٢٢م. ويرتبط بهذا الخطر بشكل وثيق احتمال تسارع تدهور سعر الصرف مجدَّدًا في حال وقوع صدمة سياسيَّة، أو أمنيَّة مفاجئة، أو حتى في حال مجرَّد تأخُّر دفعة واحدة من الدعم الخارجي المعتاد الذي بات السوق يعوّل عليه بشكل شبه يومي لتثبيت توقُّعاته بشأن استقرار العملة. أمَّا الخطر الثالث فيتمثَّل في احتمال انقطاع، أو تأخَّر تمويل رواتب القطاعين المدني، والعسكري في حال تباطؤ التدفُّقات الماليَّة الخليجيَّة المعتادة، وهو سيناريو من شأنه أنْ يترجم مباشرة إلى موجة احتجاجات اجتماعيَّة واسعة النطاق في المدن الرئيسة للمحافظات المحرَّرة، كما حدث في مناسبات سابقة مرتبطة بأزمات الكهرباء، والمياه في عدن، ومحافظات مجاورة.
٩-٢ مخاطر تراكميَّة (متوسِّطة المدى):
على المستوى المتوسِّط، يبرز خطر استمرار تراجع تمويل خطَّة الاستجابة الإنسانيَّة دون عتبة العشرة بالمئة من الاحتياج المعلن، وهو ما من شأنه أنْ يوسِّع فجوة الأمن الغذائي لتشمل أكثر من خمسة ملايين، وأربعمئة ألف شخص خلال موسم الجوع وحده، وفق توقُّعات تصنيف الأمن الغذائي المتكامل. ويرتبط بهذا الخطر أيضًا احتمال تفاقم أزمة السيولة في مناطق سيطرة الحوثيِّين، والتي قد تنعكس على الاقتصاد الكلِّي في المحافظات المحرَّرة عبر قنوات التجارة البينيَّة، والتحويلات الماليَّة بين المنطقتين رغم الانقسام السياسي القائم بينهما. أمَّا الخطر الثالث فيتمثَّل في تراجع قدرة المفوضيَّة الساميَّة لشؤون اللاجئين، ووكالات أمميَّة أخرى على تغطية احتياجات النازحين، واللاجئين بشكل كافٍ في ظلِّ استمرار فجوات التمويل الكبيرة التي تتجاوز مئة، وستين مليون دولار بالنسبة لهذه الوكالة وحدها.
٩-٣ مخاطر بنيويَّة (طويلة المدى):
أمَّا على المدى البنيوي الأبعد، فيتمثَّل الخطر الأوَّل في احتمال ترسخ الانقسام النقدي، والمؤسَّسي بين عدن وصنعاء بشكل يصعب معه لاحقًا توحيد السياسة النقديَّة للبلاد، رغم دعوات البنك المركزي المتكرِّرة للمساندة الرئاسيَّة، والحكوميَّة الأوسع. ويرتبط بهذا الخطر احتمال استمرار الاعتماد المزمَّن على المنح الخارجيَّة بدل الموارد السياديَّة الذاتيَّة، وهو ما رصده صندوق النقد الدولي بوضوح حين شدَّد على أنَّ استمرار هذا النمط من الدعم، رغم أهمِّيَّته الآنيَّة، لن يكون كافيًا وحده لاستعادة الاستدامة الماليَّة، ما يجعل الاستقرار المالي، والخدمي في نهاية المطاف رهينة لقرارات مانحين خارجيِّين، ولتقلُّبات التمويل الإنساني الدولي في آنٍ واحد، وهو وضع بنيوي يصعب تصحيحه دون إصلاحات جذريَّة تمتدُّ لسنوات، وليس أشهرًا.
الفصل العاشر: بناء السيناريوهات المستقبليَّة
١٠-١ السيناريو الأوَّل: استمرار الوضع الراهن مع تذبذب محدود
يفترض هذا السيناريو، وهو الأقرب إلى المسار الفعلي الملحوظ خلال عامي٢٠٢٥م و٢٠٢٦م، استمرار حصار الصادرات النفطيَّة دون تصعيد كبير إضافي يطال منشآت جديدة، مع استمرار الدعم الخارجي، وبخاصَّة السعودي، بمستوياته الحالية، أو بزيادات طفيفة متقطِّعة على شاكلة الدفعات التي رُصدت خلال العامين الماضيين. وفي ظلِّ هذا المسار، يستمرُّ البنك المركزي في عدن بتطبيق إجراءات تثبيتيَّة جزئيَّة لسعر الصرف عبر اللجنة الوطنيَّة لتنظيم، وتمويل الواردات، وتشديد الرقابة على قطاع الصرافة، بما يحافظ على تذبذب سعر الصرف ضمن نطاق مقبول نسبيًّا يتراوح بين ألف وخمسمئة، وألفي ريال للدولار، مع بقاء معدَّلات التضخُّم، وانعدام الأمن الغذائي، وفجوات التمويل الإنساني مرتفعة نسبيًّا دون أنْ تنزلق إلى انهيار حادٍّ شامل. ويظلُّ هذا السيناريو، رغم استقراره النسبي الظاهري، محمَّلًا بمعاناة إنسانيَّة مزمنة تطال الملايين، دون أنْ يرقى إلى مستوى الانهيار الكامل.
١٠-٢ السيناريو الثاني: تصعيد محدود يطال البنية التحتيَّة الاقتصاديَّة، والإنسانيَّة معًا
يفترض هذا السيناريو تجدُّد هجمات مباشرة على موانئ النفط، أو محطَّات الكهرباء، أو طرق الإمداد الرئيسة، على غرار ما شهدته الأعوام من ٢٠٢٢م إلى ٢٠٢٤م، مترافقًا هذه المرَّة مع استمرار تدنِّي تمويل خطَّة الاستجابة الإنسانيَّة دون عتبة العشرة بالمئة من الاحتياج؛ إذْ يغيب أيّ من خطَّي الدفاع، الحكومي والدولي، في وقت واحد. وفي ظلِّ هذا المسار، يُتوقُّع أنْ يؤدِّي هذا التصعيد المزدوج إلى تعطل مؤقَّت لكنَّه حادٌّ في الإيرادات، والخدمات الأساسيَّة، وانزلاق سريع لسعر الصرف نحو مستويات قريبة من الذروة التاريخيَّة المسجَّلة في يوليو٢٠٢٥م، والبالغة نحو ألفين وتسعمئة ريال للدولار، مع تصاعد موازٍ، وسريع في معدَّلات انعدام الأمن الغذائي الحاد قد يدفع بعدد المتأثِّرين إلى ما يتجاوز ستَّة ملايين شخص في المحافظات المحرَّرة وحدها، وموجَّة احتجاجات اجتماعيَّة واسعة يصعب على السلطات المحلِّية احتواؤها في ظلِّ شحّ مواردها.
١٠-٣ السيناريو الثالث: تراجع حادّ متزامن في الدعم المالي الخارجي، والتمويل الإنساني
هو السيناريو الأكثر خطورة من بين الثلاثة؛ إذْ يفترض تراجعًا متزامنًا وحادًّا في الدعم المالي الخليجي المباشر للبنك المركزي اليمني، وفي التمويل الإنساني الدولي دون أيِّ عودة إلى مستويات ما قبل عام ٢٠٢٥م، إلى جانب استمرار استهداف البنية النفطيَّة، والخدميَّة بوتيرة مماثلة لما شهدته السنوات الماضية. وفي ظلِّ تحقُّق هذا المسار، فإنَّ اجتماع هذه العوامل مجتمعة يهدِّد بانهيار سريع، وشامل لسعر الصرف يتجاوز حتى الذروة التاريخيَّة المسجَّلة سابقًا، وعجز الحكومة الكامل عن دفع رواتب موظَّفيها المدنيِّين، والعسكريِّين لفترات متطاولة، وتوسُّع كبير، وسريع في رقعة انعدام الأمن الغذائي الحادّ يتجاوز عتبة موسم الجوع المتوقَّعة أصلًا، والبالغة خمسة ملايين، وأربعمئة ألف شخص، بما قد يدفع أجزاء من المحافظات المحرَّرة نحو تصنيفات أعلى خطورة ضمن نظام تصنيف الأمن الغذائي المتكامل، وربَّما نحو مؤشِّرات أوَّليَّة للمجاعة في أضعف المناطق، وأكثرها هشاشة، وهو ما من شأنه أنْ يفرض على الحكومة، والمجتمع الدولي معًا كلفة إنسانيَّة، وسياسيَّة، واقتصاديَّة تتجاوز أضعاف كلفة أيّ تدخل وقائي مبكِّر.
الفصل الحادي عشر: خيارات السياسات لتعزيز الصمود الاقتصادي
١١-١ خيارات عاجلة (قصيرة المدى):
تتَّصل الأولويَّة الأوَّلى بإنشاء آليَّة طوارئ لدى البنك المركزي اليمني لحماية استمراريَّة تمويل الرواتب الأساسيَّة في حال تعطُّل الصادرات النفطيَّة مجدَّدًا، سواء عبر خطوط ائتمان طارئة مسبقة الترتيب مع الشركاء الخليجيِّين، أو عبر احتياطي نقدي مخصَّص لا يُستخدم إلاَّ في حالات الطوارئ المعلنة، بما يقلِّل من الحاجة إلى طلب دعم استثنائي متأخِّر في كلِّ مرَّة يتجدَّد فيها الاستهداف. وتتَّصل الأولويَّة الثانية بمواصلة تعزيز الرقابة على قطاع الصرافة، والحدّ من المضاربة على العملة عبر توسيع نطاق التفتيش الميداني الذي بدأه البنك المركزي، بما يحافظ على مكاسب الاستقرار النقدي المحقَّقة منذ إنشاء اللجنة الوطنيَّة لتنظيم، وتمويل الواردات في يوليو ٢٠٢٥م، ويمنع تكرار سيناريو الانهيار الحادّ الذي شهدته العملة في يوليو من العام السابق.
تتصل الأولويَّة الثالثة بضرورة التنسيق المسبق، والمنتظم، لا الطارئ، والمتقطِّع بين البنك المركزي، والحكومة، والشركاء الإقليميين لتأمين استمراريَّة منح الوقود اللازمة لتشغيل محطَّات الكهرباء، عبر جدولة زمنيَّة معلنة، ومتوقَّعة للدعم بدل الاعتماد على إعلانات متفرِّقة غير منتظمة، بما يمنع تكرار أزمات الانقطاع المفاجئ للتيار الكهربائي التي أشعلت احتجاجات شعبيَّة في مناسبات سابقة بمدينة عدن، ومحافظات مجاورة. أمَّا الأولويَّة الرابعة، والأكثر إلحاحًا من الناحية الإنسانيَّة، فتتمثَّل في دعم جهود مكتب تنسيق الشؤون الإنسانيَّة، والوكالات الأمميَّة ذات الصلة في حشد تمويل عاجل يرفع نسبة تغطية خطَّة الاستجابة الإنسانيَّة لعام ٢٠٢٦م فوق مستوى ٩٫٦ بالمئة الحالي المتدنِّي تاريخيًّا، مع إعطاء أولويَّة واضحة لقطاعي الأمن الغذائي، والتغذية اللَّذَينِ يواجهان أدنى مستويات التمويل مقارنة بالقطاعات الإنسانيَّة الأخرى.
١١-٢ خيارات متوسِّطة المدى:
على المدى المتوسِّط، تبرز أولويَّة تنويع مصادر الإيرادات السياديَّة بعيدًا عن الاعتماد شبه الكامل على صادرات النفط الخام، عبر تحسين تحصيل الرسوم الجمركيَّة، والضرائب المحلِّية بالتنسيق المباشر مع البنك المركزي، ووزارة الماليَّة، وهو ما أوصى به صندوق النقد الدولي صراحة في بيانه الختامي لعام٢٠٢٥م حين دعا إلى رقمنة الإدارة الضريبيَّة، ومعالجة الاختلالات المزمنة في كشوف الرواتب الحكوميَّة، والعسكريَّة. وتتَّصل الأولويَّة الثانية بدعم استعادة نشاط القطاع الخاص عبر تحسين وصوله إلى التمويل المصرفي، وتبسيط إجراءات الاستيراد، والتصدير، بما يخفِّف من معدَّل بطالة الشباب المرتفع البالغ نحو ٣٢٫٦ بالمئة، ويخلق فرص عمل بديلة عن العمل اليومي غير المستقرِّ الذي يهيمن حاليًّا على سوق العمل.
تتصل الأولويَّة الثالثة بالاستثمار في تأمين طرق إمداد بديلة، وتحسين القدرة الاستيعابيَّة للموانئ الحكوميَّة، وعلى رأسها ميناء عدن، على امتصاص الصدمات الأمنيَّة المتكرِّرة في البحر الأحمر، بما يقلِّل من حساسيَّة الاقتصاد المحلِّي لأيِّ اضطراب إقليمي في الملاحة الدوليَّة. أمَّا الأولويَّة الرابعة فتتمثَّل في العمل المشترك بين الحكومة اليمنيَّة، ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانيَّة، والمفوضيَّة الساميَّة لشؤون اللاجئين، والمانحين الرئيسيِّين على وضع إطار تمويل إنساني، وتنموي أكثر استدامة، وقابليَّة للتنبُّؤ، يقلِّل من التقلُّب الحادِّ في مستويات التمويل من عام لآخر الذي شهدته السنوات الأخيرة، ويستبدل منطق الاستجابة الطارئة المتكرِّرة بمنطق التخطيط متعدِّد السنوات. وتتَّصل الأولويَّة الخامسة، والأخيرة ببناء قدرات السلطات المحلِّية في مختلف المحافظات على التخطيط للطوارئ الاقتصاديَّة، والإنسانيَّة وإدارة الأزمات بشكل استباقي، بالتنسيق المباشر، والمستمر مع البنك المركزي، ووكالات الإغاثة، بدل الاكتفاء بردِّ الفعل بعد وقوع كلّ أزمة جديدة.
الخاتمة:
تكشف بيانات البنك المركزي اليمني، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، إلى جانب تقارير منظَّمات الإغاثة الدوليَّة العاملة في اليمن، أنَّ المحافظات المحرَّرة تواجه اليوم ضغطًا اقتصاديًّا، وماليًّا، وإنسانيًّا متعدِّد الأوجه، ناتجًا عن تشابك عميق بين أربعة عوامل رئيسة: استمرار حصار الصادرات النفطيَّة الذي حَرَم الدولة من أهمِّ مصادر تمويلها الذاتي، وتجاوز الدَّين العام حاجز المئة بالمئة من الناتج المحلِّي الإجمالي بما يقيّد الحيِّز المالي المتاح لأيِّ إصلاح، والانقسام النقدي، والمؤسَّسي المزمن بين عدن وصنعاء الذي يمنع توحيد السياسة الاقتصاديَّة للبلاد، وأخيرًا التراجع غير المسبوق في التمويل الإنساني الدولي في اللحظة ذاتها التي تبلغ فيها الاحتياجات ذروتها التاريخيَّة.
وفي ظلِّ استمرار هذه العوامل الأربعة مجتمعة، تصبح قدرة السلطات المحلِّية، والحكومة، والبنك المركزي على بناء آليَّات استجابة سريعة، ومسبقة الترتيب، وتنويع مصادر الدخل بعيدًا عن الاعتماد الأحادي على النفط، وتحصين الاستقرار النقدي المحقَّق حتى الآن، إلى جانب نجاح المجتمع الدولي في سدِّ فجوات التمويل الإنساني الحرجة، عوامل حاسمة، وفاصلة في تحديد ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد تدهُّورًا حادًّا يقترب من عتبات الكارثة الإنسانيَّة، أم استقرارًا نسبيًّا هشًّا يتيح على الأقل مساحة زمنيَّة لتنفيذ الإصلاحات البنيويَّة العميقة التي أوصى بها صندوق النقد الدولي. وتوصي الدراسة بمتابعة دوريَّة منتظمة لهذه المؤشِّرات، وتحديث تقييم المخاطر، والسيناريوهات كلّ ثلاثة أشهر تزامنًا مع صدور بيانات البنك المركزي اليمني، وتقارير أوتشا، ومرصد الاقتصاد اليمني الصادر عن البنك الدولي وأيّ تحديثات لاحقة من صندوق النقد الدولي بشأن مسار مشاوراته مع الحكومة اليمنيَّة.
قائمة المراجع:
- البنك المركزي اليمني (عدن). بيانات وتصريحات رسميَّة بشأن التحذير من استهداف قطاع النفط، ونقل مقار البنوك التجاريَّة إلى عدن، وإجراءات ضبط قطاع الصرافة (٢٠١٦–٢٠٢٦م)، عبر الموقع الرسمي www.centralbank.gov.ye ووكالات الأنباء الرسميَّة.
- برنامج الأغذية العالمي، ومنظَّمة الأغذية والزراعة، واليونيسف. تصنيف المرحلة المتكاملة للأمن الغذائي (IPC) لليمن — المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، مارس–ديسمبر ٢٠٢٦م.
- تقارير متابعة الدَّين العام، ومفاوضات صندوق النقد الدولي، وتمويل المفوضيَّة الساميَّة لشؤون اللاجئين، ٢٠٢٥م–٢٠٢٦م. South24 Center.
- تقارير متابعة مفاوضات الحكومة اليمنيَّة مع صندوق النقد الدولي وحجم الدَّين الخارجي، ٢٠٢٥م. Yemen Monitor.
- صحيفة الشرق الأوسط. تقارير متابعة بيانات البنك المركزي اليمني (٢٠٢١–٢٠٢٦م)، عبر aawsat.com.
- صندوق النقد الدولي. (٢٠٢٥م، ٩ أكتوبر). البيان الختامي لبعثة مشاورات المادَّة الرابعة مع اليمن لعام ٢٠٢٥م.
- اللجنة الدوليَّة للإنقاذ (IRC). موجز سياسات الأمن الغذائي في اليمن، يناير ٢٠٢٦م.
- المفوضيَّة الساميَّة للأمم المتَّحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR). تحديث التمويل لعمليات اليمن لعام ٢٠٢٦م، عبر تقرير South24 Center.
- مكتب الأمم المتَّحدة لتنسيق الشؤون الإنسانيَّة (أوتشا). خطَّة الاحتياجات الإنسانيَّة والاستجابة لليمن ٢٠٢٦م، ١٨ مارس ٢٠٢٦م.
- المنظَّمة الدوليَّة للهجرة (IOM). تقرير الفيضانات والنزوح والضغط الاقتصادي المتزايد في اليمن، ٩ أبريل ٢٠٢٦م.
- الوكالة السويدية للتعاون الإنمائي الدولي (Sida). تحليل الأزمة الإنسانيَّة في اليمن، مارس ٢٠٢٦م.
المراجع الأجنبيَّة:
- Almahriah Net. (2026, August 1). Exchange Rates: USD, SAR vs. YER.
- Arab News. How the Houthis Built a Parallel Economy in Yemen (2026).
- Bertelsmann Stiftung (BTI). (2026). BTI 2026 Country Report: Yemen.
- Middle East Institute. Abo Alasrar, F. (2022, December 9). The Houthis’ Embargo on Yemen’s Oil Exports.
- Middle East Institute. Al-Awlaqi, W. Under Pressure: Houthis Target Yemeni Government in Economic Warfare.
- Sana’a Center for Strategic Studies. (2026, March). Rescuing Yemen’s Economy.
- Sana’a Center for Strategic Studies. The Yemen Review — The Economy, Quarterly editions, 2025–2026.
- World Bank. (2024, August). Republic of Yemen Poverty and Equity Assessment 2024.
- World Bank. (2024, June 26). Yemen’s Economy Faces Mounting Crises [Press release].
- World Bank. (2025, June 2). Yemen Economic Monitor, Spring 2025: Persistent Fragility Amid Rising Risks.
- World Bank. (2025, November 17). Yemen Economic Monitor, Fall 2025: Navigating Increased Hardship and Growing Economic Fragmentation.
- World Bank. (2026, May 21). Economic Strain Deepens in Yemen as Regional Risks Intensify [Press release].
- World Bank. Yemen Economic Monitor, Spring 2026: Pushing Against the Tide.

اضف تعليقا