ملخَّص تنفيذي:

انتهى سبتمبر بوضع جديد في الحرب اليمنيَّة. فجماعة الحوثي حقَّقت أكبر مكسب لها على الأرض منذ سنوات، حين سيطرت على المخا، ومينائها، وعلى شريط ساحلي يقترب من باب المندب. ثمَّ نقلت الضغط إلى داخل السعوديَّة بهجمات وصلت إلى محيط الرياض، والطائف. في المقابل خسرت الحكومة أرضا مهمَّة، لكنها بدأت حرب استنزاف واسعة، وحصلت على دعم إقليمي، ودولي هو الأكبر منذ هدنة 2022م.

وعلى المستوى السياسي انتقل خطاب الحكومة خلال أسابيع قليلة من الثقة إلى تبرير الخسارة ثمَّ إلى التعبئة العامَّة. وكشف تعدُّد الروايات الرسميَّة حول سقوط المخا أنَّ المعسكر المناهض للجماعة لا يملك رواية موحَّدة لما حدث. وفي واشنطن ظهر مسار مزدوج. فالكونغرس يدعو إلى تفكيك منظومة الجماعة، بينما أكَّدت الإدارة الأمريكيَّة وجود تواصل مباشر معها، واكتفت بدعم استخباري للسعوديَّة دون المشاركة في الضربات.

ودفع المدنيُّون الثمن الأكبر. فقد تجاوز عدد النازحين الجدد (180,000) شخص وفق تقرير رسمي، وعاد النزوح عبر البحر إلى جيبوتي، وحذَّر وزير الصحَّة من انهيار الخدمات في المناطق المتضرِّرة. واقتصاديًّا بقي وضع المناطق المحرَّرة معلَّقا بالدعم السعودي في ظلِّ توقُّف صادرات النفط، بينما رفعت الجماعة أسعار الوقود في مناطقها بنسب وصلت إلى (21%) واحد وعشرين في المئة. ويجب التعامل بحذر مع أرقام الخسائر البشريَّة المعلنة هذا الشهر؛ لأنَّ معظمها صادر عن أطراف الحرب نفسها، ولا يمكن التحقُّق منه بشكل مستقل.

ويبقى السؤال إلى أين تتَّجه الأمور، كلّ المؤشِّرات حتى نهاية الشهر تقول إنَّ التصعيد لم يصل إلى ذروته بعد. فالتعبئة العامَّة أُقِرَّت، وضربات الجيش تتوسَّع لتشمل معظم الجبهات، وعمق مناطق الجماعة، بينما ترسل جماعة الحوثي تعزيزات جديدة إلى كهبوب، وتعز ومأرب. لكنَّ ثلاثة عوامل تحدُّ من احتمال الحسم. أوَّلها: أنَّ واشنطن لم تقرِّر المشاركة في الهجوم. وثانيها: أنَّ الحكومة لم تَستَعِد حتى الآن أيَّ موقع خسرته في الساحل. وثالثها: أنَّ تماسك القوى المناهضة للجماعة صار موضع شكٍّ بعد ما جرى في المخا، والضالع.

وقد لخَّص المبعوث الأممي الصعوبة حين قال إنَّ الحلَّ مرتبط بفصل حرب اليمن عن صراعات المنطقة. لذلك فالحديث عن معركة حاسمة قريبة أقرب إلى خطاب التعبئة منه إلى توقُّع مؤكَّد. والأرجح في الأسابيع القادمة أنْ تستمر حرب الاستنزاف على عدَّة جبهات، مع ضربات متبادلة عبر الحدود، واحتمال ضعيف لتدخُّل دولي هجومي.

أمَّا في حضرموت فالخطر الأقرب على حضرموت ليس هجوما بريًّا. بل هو المسيِّرات التي تصل إلى طرق الإمداد في الوادي، كما حدث في العبر على طريق الوديعة. ويضاف إليه عودة نشاط القاعدة على الساحل التي كشفتها غارة بروم، وازدياد المخاطر في البحر. وهذا استمرار لما بدأ في أغسطس، حين كانت معسكرات العبر، والرويك من أوَّل ما استهدفته الجماعة. وتبدو معركة الجوف خطِّ الدفاع الأوَّل عن المحافظة، وأيّ تراجع حكومي فيها سيصل أثره سريعا إلى الوادي، ومنفذ الوديعة.

وسياسيًّا اتضح هذا الشهر ما بدا غامضا في أغسطس. فالتغييرات التي أجراها الشيخ عمرو بن حبريش في قيادة مؤتمر حضرموت الجامع كانت مؤشِّرا مبكِّرا على خلافه مع المجلس التنسيقي الأعلى، الذي انسحب من لجنته التحضيريَّة قبل أنْ يطوي لقاؤه بالخنبشي في الرياض هذا الخلاف. لكنَّ التوافق بين الرجلين ما يزال قائما على اللقاءات، والبيانات. وفي المقابل ما يزال الانتقالي المنحل قادرا على تحريك الشارع في المكلاَّ، بينما ضغطت أزمتا الكهرباء، والمعلِّمين المتعاقدين على السلطة المحلِّيَّة طوال الشهر.

وهكذا تجد حضرموت نفسها بين ضغطين في وقت واحد: ضغط الحرب من الخارج، وضغط الفراغ الأمني، والخدمي من الداخل.

الجانب السياسي:

هيمن سقوط المخا على المشهد السياسي في سبتمبر، فأعاد ترتيب الخطاب، والتحالفات، والأولويات لدى كلِّ الأطراف. ويمكن قراءة تطوُّرات الشهر في أربعة محاور. أوَّلها: طريقة تعامل الحكومة الشرعيَّة مع التصعيد، وكيف انتقل خطابها من الثقة إلى التبرير ثمَّ إلى التعبئة العامَّة. وثانيها: الموقف الإقليمي، والدولي من هجمات جماعة الحوثي على السعوديَّة. وثالثها: الاتصالات المباشرة بين واشنطن وجماعة الحوثي، وما تعنيه للحكومة. ورابعها: المشهد في حضرموت، والجنوب؛ إذْ يتقدَّم التوافق الحضرمي في وقت يواصل فيه الانتقالي المنحل ضغطه في الشارع.

المحور الأوَّل: ردَّة فعل الحكومة الشرعيَّة تجاه التطوُّرات العسكريَّة، وإعلان التعبئة العامَّة

دخلت الحكومة الشهر بخطاب واثق. فقد حذَّر رئيس مجلس القيادة رشاد العليمي جماعة الحوثي من سوء قراءة صبر الدولة، وتعهَّد رئيس الوزراء بتوفير الدعم للقوَّات في تعز، والحديدة. ثمَّ ذهب العليمي أبعد من ذلك حين قال إنَّ القوَّات انتزعت زمام المبادرة، وإنَّها ماضية في استعادة الأرض. وفي الاتجاه نفسه طالب تكتُّل الأحزاب بفتح كلِّ الجبهات في وقت واحد، ودعا لقاء موسع في مأرب إلى الاصطفاف خلف القوَّات المسلَّحة.

لكنَّ هذا الخطاب اصطدم بالواقع بعد أيام قليلة. فمع تقدُّم جماعة الحوثي نحو المخا قال العليمي لسفراء الدول الراعية إنَّ الجماعة اختارت الحرب، وعليها أنْ تتحمَّل نتائجها، وأعلن مجلس القيادة أنَّه لن يسمح بتحويل باب المندب إلى هرمز آخر. وبعد السقوط اختلفت لغة المسؤولين في تفسير ما حدث. فأحمد بن دغر قال إنَّ خسارة المخا لا تعني نهاية الحرب، وإنَّ النصر ما يزال ممكنا. ووصف عضو مجلس القيادة سلطان العرادة ما جرى بأنَّه أحداث عارضة لن تثني الحكومة عن تحرير صنعاء. أمَّا محافظ الحديدة فرأى أنَّ ما حدث ليس هزيمة، بل خديعة، ومؤامرة.

في النصف الثاني من الشهر انتقلت الحكومة من تفسير الهزيمة إلى الحشد. فأعلنت حشد الدعم الشعبي للجبهات، ودعا مشائخ من قبائل صنعاء إلى مواجهة جماعة الحوثي، واستعادة العاصمة. ثمَّ فتح العليمي باب العودة أمام المنتمين إلى الجماعة، ودعا اليمنيِّين إلى الانضمام إلى القوَّات الحكوميَّة. وفي نهاية الشهر أقرَّ البرلمان التعبئة العامَّة، ووجَّه العليمي بتسريع تنفيذ قراري العودة الآمنة، والتعبئة. وفي الأثناء ظهر طارق صالح علنا لأوَّل مرَّة منذ وصوله إلى الرياض بعد أحداث المخا، في لقاء مع قائد القوَّات المشتركة. وحمل اللقاء رسالة بأنَّ موقعه داخل المعسكر الحكومي لم يتأثَّر رسميًّا، بعد أسابيع من الغياب تداولت خلالها أحاديث عن وجوده في الإمارات، أو الصومال. تحاول الحكومة بهذه الخطوات أنْ تعوِّض ما خسرته في الميدان بعمق اجتماعي، وقبلي. ويبدو قرار العودة الآمنة محاولة لشقِّ القاعدة البشريَّة للجماعة من الداخل.

المحور الثاني: إجماع إقليمي، ودولي ضدَّ الهجمات على السعوديَّة

استدعت هجمات جماعة الحوثي على جنوب السعوديَّة موجة إدانات واسعة خلال يوم واحد تقريبا. فقد أدانها مجلس التعاون الخليجي، وطالب بموقف دولي حازم، ووصفها مجلس الوزراء السعودي بالعدوان الآثم. وقال وزير الخارجيَّة السعودي إنَّ جماعة الحوثي فتحت على نفسها بابا لا تستطيع تحمُّله. وحمَّلت واشنطن إيران مسؤوليَّة الهجمات بشكل واضح، وقالت سفارتها لدى اليمن إنَّ جماعة الحوثي هي من بدأت الصراع. واللافت أنَّ روسيا انضمَّت إلى هذا الموقف حين وصفت الهجمات بأنَّها غير مقبولة، وتضرُّ بالاقتصاد العالمي.

وكانت الجامعة العربيَّة قد اعتمدت قبل ذلك مشروع قرار لدعم سيادة اليمن. ثمَّ انتقل الملف إلى مجلس الأمن الذي عقد جلستين طارئتين، الأولى بطلب من البحرين، وبريطانيا بعد الهجمات على السعوديَّة، والثانية حول مخاطر التصعيد في باب المندب. وفي الجلسة الأولى قال المبعوث الأممي إنَّ السؤال لم يعد: هل ستعود الحرب؟ بل كيف يتعامل العالم مع مرحلة أخطر منها؟ وعلى المستوى العسكري كشفت رويترز عن تنسيق بين السعوديَّة وباكستان وتركيا للردِّ على الهجمات، ثمَّ أعلن وزير الخارجيَّة التركي هاكان فيدان استعداد بلاده لبحث احتياجات السعوديَّة العسكريَّة. أمَّا الحكومة اليمنيَّة فاتجهت نحو القاهرة، محذِّرة من أنَّ التصعيد في الساحل الغربي يهدِّد باب المندب، وقناة السويس معا.

المحور الثالث: القناة المباشرة بين واشنطن، وجماعة الحوثي

كشف الشهر عن مسار أمريكي مزدوج تجاه جماعة الحوثي. ففي بدايته عقد الكونغرس جلسة ظهر فيها إجماع على تفكيك منظومة الجماعة، ودعم الحكومة الشرعيَّة. لكنَّ الرئيس دونالد ترامب كشف بعد أيام أنَّ جماعة الحوثي تواصلت مع إدارته، وقال إنَّها لا تريد قتال الولايات المتحدة، وطلبت منها عدم التدخل. ثمَّ أكَّد نائبه وجود تواصل مباشر مع الجماعة، وأوضح أنَّ ما يهمّ واشنطن هو أمن الملاحة في البحر الأحمر. وجاء التأكيد الثالث من الجماعة نفسها حين أقرَّ القيادي فيها محمد البخيتي بوجود هذه الاتصالات.

في المقابل كثَّفت الحكومة اتصالاتها بواشنطن لموازنة هذا الاختراق. فقد طلب العليمي من ترامب دعما أمريكيًّا لمواجهة جماعة الحوثي، وبحث عضو مجلس القيادة عبدالله العليمي مع مُشَرِّع أمريكي دعم قدرات الحكومة. ولم تكن واشنطن وحدها في هذا المسار المزدوج. فقد عقد السفير الروسي لقاء عبر الإنترنت مع قيادي في جماعة الحوثي لبحث تطوُّرات المخا، وباب المندب، ثمَّ عاد وزير الخارجيَّة سيرغي لافروف ليجدِّد دعم بلاده للحكومة اليمنيَّة، ووحدة البلاد.

المحور الرابع: حضرموت، والجنوب، توافق حضرمي، وضغط من الانتقالي المنحل

بدأ الشهر في حضرموت بتحدٍّ مباشر للسلطة المحلِّيَّة. فقد حشد المجلس الانتقالي المنحل أنصاره وسط المكلاَّ قرب قصر المحافظ في ذكرى تأسيس الجيش الجنوبي، بالتزامن مع حشد مماثل في عدن لوَّح فيه أحد قادته بمحاصرة قصر معاشيق. وأفادت تقارير بأنَّ الأجهزة الأمنيَّة اعتقلت عددا من المشاركين في المكلاَّ، وداهمت منازل لقيادات في المجلس. وبعد أيام حاصرت عناصر تابعة له مكتب التربية في عدن احتجاجا على رفع صور عيدروس الزبيدي.

في المقابل التقى الخنبشي في الرياض الشيخ عمرو بن حبريش رئيس حلف قبائل حضرموت. وجاء اللقاء بعد خلاف حول تشكيل المجلس التنسيقي الأعلى للقوى الحضرميَّة انسحب على إثره بن حبريش من لجنته التحضيريَّة. وأكَّد الطرفان في ختامه توحيد الصف، وتعزيز حضور حضرموت في الاستحقاقات الوطنيَّة.

يحمل هذا اللقاء أهميَّة تتجاوز طابعه البروتوكولي. فالخنبشي يجمع اليوم بين عضويَّة مجلس القيادة، وقيادة السلطة المحلِّيَّة، ورئاسة المجلس التنسيقي، وبن حبريش يقود واحدة من أبرز القوى القبليَّة المنظَّمة في المحافظة. واتفاقهما يسدُّ ثغرة كان يمكن أنْ ينفذ منها الانتقالي المنحل. لكنَّ هذا التوافق ما يزال قائما على اللقاءات، والبيانات، ولم يتحوَّل بعد إلى صيغة واضحة لتقاسم القرار. أمَّا تحرُّك الانتقالي، فيكشف أنَّه فقد السيطرة العسكريَّة لكنَّه ما يزال قادرا على تحريك الشارع. ولذلك يرتبط الاستقرار السياسي في المحافظة بأداء السلطة المحلِّيَّة في الخدمات أكثر من ارتباطه بالتفاهمات بين النخب.

أبرز مؤشِّرات الرصد السياسي:

الدلالة السياسيَّة الحدث التاريخ
يوسِّع دائرة التحرك الدبلوماسي إلى الإطار الإسلامي، في محاولة لحشد موقف يتجاوز الخليج وزيرة الخارجيَّة تبحث مع أمين منظَّمة التعاون الإسلامي مستجدَّات اليمن، والمنطقة الثَّالث من سبتمبر
يعكس اهتماما مبكِّرا بالضفَّة الأفريقيَّة للمضيق قبل أنْ يتحوَّل باب المندب إلى ساحة مواجهة مباشرة اليمن، وجيبوتي تبحثان تنشيط التعاون الاقتصادي، وتنسيق أمن البحر الأحمر الثَّالث من سبتمبر
يضيف غطاء دينيًّا عابرا للحدود إلى خطاب الحكومة، ويعكس اصطفاف تيارات إسلاميَّة واسعة ضدَّ جماعة الحوثي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يجدِّد دعمه لاستعادة الدولة، وإنهاء الانقلاب الثَّامن من سبتمبر
يسعى إلى ربط الملف اليمني بالصراع مع إيران، بما يرفع كلفة الحياد على القوى الدوليَّة نائب وزير الخارجيَّة: جماعة الحوثي تنفذ استراتيجيَّة إيرانيَّة لعسكرة البحر الأحمر التَّاسع من سبتمبر
يحاول احتواء أثر خسارة الساحل بتثبيت الهدف السياسي، دون أنْ يقدِّم أدوات جديدة لتحقيقه رئيس الوزراء: استعادة سلطة الدولة في الحديدة وكامل اليمن هدف وطني ثابت الرَّابع عشر من سبتمبر
يمنح التعبئة بعدا محلِّيًّا في المنطقة الأكثر حساسيَّة، وقد يوفِّر للحكومة حاضنة اجتماعيَّة في أيِّ معركة لاستعادة الساحل وجهاء ساحل باب المندب يعلنون الاستجابة للتعبئة، ومساندة استعادة مناطقهم السَّادس والعشرين من سبتمبر
قد يشير إلى مسعى لترميم التنسيق السعودي الإماراتي، في وقت تضرَّرت فيه القوَّات المدعومة إماراتيًّا في الساحل الغربي وزير الدفاع السعودي يدعو نائب رئيس الإمارات منصور بن زايد لزيارة المملكة التَّاسع والعشرين من سبتمبر

الجانب الاقتصادي:

لم يكن الاقتصاد بعيدا عن تداعيات الحرب في سبتمبر. فالتصعيد العسكري ضغط على الأسعار، والوقود، والخدمات في مناطق الطرفين، ونعرض تطوُّرات الشهر في ثلاثة محاور رئيسة.

المحور الأوَّل: الدعم السعودي، وغياب الموارد

أعلنت السعوديَّة في مطلع الشهر دعما جديدا للبنك المركزي اليمني في عدن، دون أنْ تكشف قيمته، أو آليَّة صرفه. وقال البرنامج السعودي لتنمية، وإعمار اليمن إنَّ الدعم يهدف إلى تعزيز القوَّة الشرائيَّة للريال، وتنشيط الأسواق، ووصفه رئيس مجلس القيادة بأنَّه دفعة مهمَّة لمسار الإصلاحات. ويأتي هذا الدعم امتدادا لدعم سابق للموازنة خلال العام نفسه، خصِّص معظمه لتغطية الرواتب، والنفقات التشغيليَّة.

لكنَّ هذا الدعم ما يزال غير كاف. فالحكومة ما تزال محرومة من عائدات تصدير النفط التي كانت تشكِّل الجزء الأكبر من موازنتها، والبنك المركزي يعتمد بشكل شبه كامل على الودائع، والمنح الخارجيَّة. ولذلك يبقى الوضع الاقتصادي في المناطق المحرَّرة غير مستدام، وقابلا للتدهور في أيِّ وقت.

المحور الثاني: الوقود، والكهرباء أزمة واحدة بوجهين

في مناطق سيطرة جماعة الحوثي رفعت شركة النفط التابعة لها أسعار الوقود مجدَّدا. فارتفع سعر صفيحة البنزين سعة عشرين لترا من (9,500) إلى (10,500) ريال، وارتفعت صفيحة الديزل بنحو (21%) واحد وعشرين في المئة لتصل إلى (11,500) ريال. وبرَّرت الشركة الزيادة بارتفاع الأسعار العالميَّة بفعل التوتُّرات الإقليميَّة، وبارتفاع كلفة نقل الوقود القادم من مناطق الحكومة. وتحدَّثت تقارير عن نقص في الوقود بصنعاء، وعن تخصيص جزء من المخزون للعمليَّات العسكريَّة. واللافت أنَّ الزيادة جاءت قبل أيام من ذكرى سيطرة الجماعة على صنعاء عام 2014م، وهي السيطرة التي برَّرتها يومها برفض الجرعة السعريَّة.

أمَّا في مناطق الحكومة فكانت الأزمة في الكهرباء أكثر منها في الأسعار. فقد عادت انقطاعات التيار في حضرموت إلى الواجهة، مع استمرار الحاجة إلى الوقود، وارتفاع الطلب في الصيف.  وفي المهرة اتجهت السلطات إلى الجوار، فوقَّعت اتفاقيَّة مع سلطنة عمان لتزويد المحافظة بالكهرباء عبر شبكة ظفار.

يكشف المشهدان أنَّ الوقود صار عبئا ثقيلا على الطرفين، وإنْ اختلفت طريقة تعامل كلٍّ منهما معه. فجماعة الحوثي تنقل كلفة الحرب إلى المستهلك مباشرة، بينما تعجز الحكومة عن تأمين وقود مستقرٍّ لمحطَّات التوليد رغم أنَّ حقول النفط تقع في مناطقها. واتفاقيَّة المهرة مع عمان حلٌّ عملي لأزمة مزمنة، لكنَّها تعمِّق في الوقت نفسه ارتباط المحافظة الاقتصادي بالجار العماني، في ظلِّ عجز الدولة عن تقديم البديل.

المحور الثالث: الكلفة المعيشيَّة، والإنسانيَّة للتصعيد

حذَّرت شبكة الإنذار المبكِّر بالمجاعة من أنَّ اضطراب طرق التجارة، والتصعيد العسكري سيواصلان الضغط على توفُّر السلع، وأسعارها حتى مطلع العام القادم. ويعود ذلك إلى اعتماد اليمن شبه الكامل على الاستيراد؛ إذْ تنتقل أيّ زيادة في كلفة الشحن، والتأمين بسرعة إلى أسعار الغذاء. وكانت منظَّمة الأغذية، والزراعة قد سجَّلت ارتفاعا في كلفة سلَّة الغذاء الأساسيَّة في عدن قبل التصعيد الأخير، وكانت الزيادة أكبر في أبين، وتعز، وشبوة. وفي مناطق سيطرة الجماعة أفادت تقارير محلِّيَّة بارتفاع سعر زيت الطهي بنحو الربع في بداية الشهر.

وجاءت خسارة ميناء المخا لتزيد هذا الضغط. فالميناء كان نافذة إمداد مهمَّة لتعز، والمناطق المجاورة، وقد تعطَّل نشاطه التجاري، والسمكي بسبب الهجمات المتكرِّرة قبل أنْ يسقط. وفي مأرب ناشدت السلطة المحلِّيَّة المانحين تقديم دعم عاجل، بعد أنْ فاقم التصعيد الضغوط على مدينة تستضيف أصلا واحدا من أكبر تجمُّعات النازحين في البلاد.

تتحرَّك الحكومة في هذا الملف عبر المناشدات، واللقاءات مع المنظَّمات الدوليَّة. وهو تحرُّك ضروري لكنَّه يبقى في دائرة ردِّ الفعل. فالتصعيد يولِّد موجات نزوح، وغلاء أسرع من قدرة المانحين على الاستجابة، في وقت يتراجع فيه التمويل الإنساني الدولي منذ سنوات. ولذلك فإن استمرار الحرب بهذه الوتيرة يعني أنَّ الاقتصاد لم يعد ساحة تتأثَّر بالمعارك فقط، بل صار جبهة قائمة بذاتها.

أبرز مؤشِّرات الرصد الاقتصادي:

الدلالة الاقتصاديَّة الحدث التاريخ
يعكس سعي الحكومة إلى تحسين إدارة المساعدات في ظلِّ تراجع التمويل، وتزايد الاحتياج رئيس الوزراء يناقش مع مدير برنامج الأغذية العالمي رفع كفاءة التدخُّلات الإنسانيَّة الأوَّل من سبتمبر
يشير إلى محاولة تنويع مصادر الدعم الإنساني خارج إطار الوكالات الأمميَّة الخارجيَّة اليمنيَّة، والهلال الأحمر الكويتي يناقشان توسيع التدخُّلات الإنسانيَّة الأوَّل من سبتمبر
يبيِّن اتجاه السلطات المحلِّيَّة في الشرق إلى الاعتماد على مواردها الذاتيَّة لسدِّ فجوة الخدمات المهرة: إنجاز بئرين لمياه الشرب في الغيضة، وقشن بتمويل محلِّي الثَّاني من سبتمبر
يكشف هشاشة البنية التحتيَّة للكهرباء في ساحل حضرموت، ويضاعف أثر أزمة الوقود على الخدمة حريق في محطَّة كهرباء بمدينة المكلاَّ دون خسائر بشريَّة السَّابع عشر من سبتمبر
يعكس محاولة لاستباق أزمة الغاز المنزلي في ظلِّ التصعيد، ويؤكِّد أهميَّة الإنتاج المحلِّي في تخفيف أثر الحرب الشركة اليمنيَّة للغاز تضخُّ أكبر كمِّيَّة لتغطية احتياجات السوق المحلِّيَّة الثَّالث والعشرين من سبتمبر
يؤكِّد أنَّ موجات النزوح الجديدة تجاوزت قدرة الاستجابة القائمة، وأنَّ الأطفال هم الفئة الأكثر تضرُّرا عضو مجلس القيادة عبدالله العليمي يدعو اليونيسف لتوسيع تدخُّلاتها مع تصاعد النزوح الثَّالث والعشرين من سبتمبر
يربط الدعم الإنساني بموقف سياسي واضح، لكنَّ حجمه يبقى محدودا قياسا بحجم الاحتياج بريطانيا تخصِّص أكثر من ثلاثة عشر مليون دولار لدعم اليمن، وتُحَمِّل جماعة الحوثي مسؤوليَّة التصعيد الخامس والعشرين من سبتمبر

الجانب الاجتماعي:

تَرَكَ التصعيد العسكري في سبتمبر أثرا اجتماعيًّا واسعا، وسريعا. فقد شهد الشهر أكبر موجة نزوح منذ سنوات، وتكرّر استهداف المدنيِّين، ومخيَّمات النازحين، وتعرَّض التعليم، والصحَّة لضغط يفوق قدرتهما. ونعرض ذلك في أربعة محاور. أولها: موجة النزوح واتجاهاتها. وثانيها: استهداف المدنيِّين. وثالثها: أثر الحرب على التعليم، والصحَّة. ورابعها: المشهد الاجتماعي في حضرموت؛ إذْ تصدَّرت أزمة المعلِّمين المتعاقدين.

المحور الأوَّل: موجة نزوح هي الأكبر منذ سنوات

بدأ النزوح في مطلع الشهر بأرقام محدودة نسبيًّا؛ إذْ سجَّل الأسبوع الأوَّل نزوح نحو (1,600) ستُّمائة وألف شخص. لكنَّ الأرقام تضاعفت بسرعة مع تمدُّد المعارك في الساحل الغربي، وتعز. فقالت الأمم المتَّحدة إنَّ أكثر من (5,600) ستُّمائة وخمسة ألف أسرة نزحت خلال أيام، ونزحت في يوم واحد نحو (2,400) أربعمائة وألفي أسرة من تعز، ولحج. وبعد ثلاثة أسابيع تجاوز عدد النازحين (158,000) ثمانية وخمسين ومائة ألف شخص، ثمَّ أعلن تقرير رسمي أنَّه تخطَّى (180,000) ثمانون ومائة ألف. وتتوقَّع الأمم المتَّحدة أنْ يتجاوز العدد (230,000) خلال الشهر القادم.

واتخذ النزوح هذه المرَّة اتجاهات غير مألوفة. فقد اتجهت أسر كثيرة نحو عدن، وأبين، ولحج، ونصبت خيام إيواء غرب عدن، بينما تعيش مئات الأسر القادمة من تعز في أبين ظروفا قاسية. والأبرز أنَّ النزوح عبر البحر عاد من جديد. فقد تحدَّث دبلوماسي جيبوتي عن وصول قرابة (1,400) نازح من الساحل اليمني خلال أربع وعشرين ساعة، ورصدت المنظَّمة الدوليَّة للهجرة عبور نحو (2,800) يمني إلى جيبوتي.

المحور الثاني: المدنيُّون، ومخيَّمات النازحين في مرمى القصف

لم يكن النزوح وحده ثمن التصعيد. فقد سقط قتلى، وجرحى مدنيُّون بقصف لجماعة الحوثي استهدف طريقًا رئيسًا يربط تعز بجنوب البلاد. وفي مأرب قتل طفلان، وأصيب خمسة عشر مدنيًّا بقصف صاروخي على مخيَّم للنازحين في رغوان، ثمَّ قتل، وأصيب اثنا عشر مدنيًّا بينهم أطفال، ونساء بقصف على أسرة نازحة في حريب. وفي لحج أصاب صاروخان باليستيَّان سوقًا شعبيًّا، وأدانت وزارة حقوق الإنسان الهجوم. وبحسب الأمم المتَّحدة شكَّل النساء، والأطفال نصف قتلى التصعيد الأخير.

اللافت في هذه الوقائع أنَّ مخيَّمات النازحين في مأرب صارت هدفا متكرِّرا. وهذا يعني أنَّ من فرَّ من الحرب مرَّة وجد نفسه أمامها من جديد، في مدينة كانت طوال السنوات الماضية من أبرز ملاذات النازحين في البلاد. واستمرار ذلك قد يفتح الباب أمام موجة نزوح ثانية من داخل المخيَّمات نفسها.

المحور الثالث: التعليم، والصحَّة تحت ضغط الحرب

بدأ العام الدراسي في ظروف استثنائيَّة. فقد قال نائب وزير التربية إنَّ مدارس مأرب عاجزة عن استيعاب الطلاب النازحين، وإنَّ التعليم يواجه تدهورا خطيرا. ثمَّ أعلنت اليونيسف أنَّ (137,000) طفل انقطعوا عن الدراسة بسبب التصعيد الأخير.

وفي القطاع الصحِّي تكرَّرت التحذيرات بالوتيرة نفسها. فقد سجَّلت وفيات بالكوليرا في البيضاء وسط مخاوف من تفشِّي الوباء. وحذَّرت منظَّمة أطباء بلا حدود من تفاقم الضغط على النظام الصحِّي مع تصاعد القتال. وفي نهاية الشهر حذَّر وزير الصحَّة نفسه من انهيار الخدمات الصحِّيَّة في المناطق المتضرِّرة.

المحور الرابع: حضرموت، أزمة المعلِّمين المتعاقدين، والاعتداء على الصحفيِّين

انشغلت حضرموت هذا الشهر بأزمة داخليَّة لا صلة مباشرة لها بالحرب. فقد دخل معلمو الساحل في إضراب كلِّي منذ مطلع الشهر، بعد مرحلتين من التصعيد، للمطالبة بتحسين الحوافز، وصرف المستحقَّات، وتجديد عقود المتعاقدين. وردَّت إدارة التربية بإشعارات تمنح المتعاقدين مهلة أخيرة لتجديد عقودهم، فرفضت النقابة ما عدَّته تهديدا بإنهاء العقود، ولوَّحت باللجوء إلى القضاء. ثمَّ خرجت وقفات احتجاجيَّة في المكلاَّ تندِّد بإيقاف المتعاقدين عن العمل.

وانتهت الأزمة مؤقَّتا باتفاق بين السلطة المحلِّيَّة، والنقابة. وقضى الاتفاق بإلغاء إشعارات الإيقاف، وتمكين المتعاقدين من توقيع العقود بضمانات من السلطة المحلِّيَّة، وزيادة الحافز الشهري بنسبة (60%) ستِّين في المئة تنفيذا لحكم قضائي. وعادت الدراسة إلى مدارس الساحل بعد أنْ تعطَّلت منذ بداية العام الدراسي.

لكن الاتفاق علَّق الأزمة، ولم يحلّها. فنحو (17,000) سبعة عشر ألف معلِّم متعاقد ما يزالون بلا وضع وظيفي مستقرٍّ، والنقابة تقول إنَّ المتعاقدين يشكِّلون نحو (80%) ثمانين في المئة من كادر التعليم في الساحل. أي أنَّ التعليم في حضرموت قائم فعليًّا على عقود مؤقَّتة، وأيّ خلاف مالي جديد قد يعيد المدارس إلى الإغلاق.

وفي نهاية الشهر تعرَّض مراسلا قناتي المهرية، ويمن شباب لاعتداء لفظي وجسدي أثناء تغطية احتفالات ذكرى السَّادس والعشرين من سبتمبر في المكلاَّ، وحطِّمت معدَّاتهما. وطالبت نقابة الصحفيِّين بتحقيق عاجل، ومحاسبة المعتدين. وقد نسبت قناة المهرية الاعتداء إلى عناصر ملثَّمة تابعة للانتقالي المنحل، بينما اكتفت النقابة بالحديث عن أربعة أشخاص دون تحديد انتمائهم. ويكشف الحادث كيف صارت المناسبات الوطنيَّة في المكلاَّ ساحة للتوتُّر بين المكوِّنات، وكيف يدفع الصحفيون ثمن هذا الاستقطاب.

أبرز مؤشِّرات الرصد الاجتماعي

الدلالة الاجتماعيَّة الحدث التاريخ
يسلِّط الضوء على البعد الفكري للتجنيد، ويربط الحرب بمستقبل جيل كامل في مناطق الجماعة وزير الأوقاف: جماعة الحوثي توظِّف الأطفال في مشروع تعبئة فكريَة يهدِّد الأسرة، والمجتمع الثَّاني من سبتمبر
يعيد ملف المحتجزين إلى الواجهة في وقت تتعثَّر فيه صفقة التبادل مختطفون في سجون جماعة الحوثي بصنعاء يعانون أمراضا خطيرة جرَّاء التعذيب، والحرمان الثَّالث من سبتمبر
يمنح التعبئة غطاء دينيًّا واجتماعيًّا، ويعكس انخراط النخب المحلِّيَّة في الحرب علماء، ودعاة تعز يدعون إلى النفير العام، وإسناد الجيش في مواجهة جماعة الحوثي الثَّامن من سبتمبر
يبيِّن أنَّ تدفُّق المهاجرين مستمر رغم الحرب، ما يضيف ضغطا على الموارد المحدودة ومجتمعات الاستقبال المنظَّمة الدوليَّة للهجرة: وصول أكثر من أحد عشر ألف مهاجر أفريقي إلى اليمن خلال أغسطس العاشر من سبتمبر
يعكس استجابة مبكِّرة للضغط الصحِّي، لكنَّها لم تمنع الوصول إلى مرحلة التحذير من الانهيار بعد أسبوعين الحكومة تتحرَّك لتعزيز جاهزيَّة القطاع الصحِّي للطوارئ مع ارتفاع أعداد النازحين الرَّابع عشر من سبتمبر
خطوة محدودة تكشف الفجوة الواسعة بين حجم الاحتياج، وقدرة الاستجابة وزارة التربية تعتزم إنشاء فصلين دراسيَّين للأطفال النازحين في مخيَّم رأس عمران بعدن السَّابع عشر من سبتمبر
يشير إلى تحوَّل المجتمع المحلِّي إلى مورد مباشر للمجهود الحربي في ظلِّ ضعف الإمداد الرسمي قوافل من أهالي تعز لإسناد الجبهات تلتها بعد أيام قافلة من أبناء البيضاء لجبهات مأرب الحادي والعشرين من سبتمبر
يؤكِّد أنَّ التمويل الإنساني لم يواكب حجم الأزمة الجديدة التي خلَّفها التصعيد منظَّمات دوليَّة تحذِّر من تفاقم الأزمة الإنسانيَّة في اليمن، وتدعو لتمويل عاجل الرَّابع والعشرين من سبتمبر

الجانب الأمني، والعسكري:

كان سبتمبر أعنف شهر منذ بدأ التصعيد الحالي. فالحرب لم تعد قصفا متبادلا فقط، بل تحوَّلت إلى معارك على الأرض غيَّرت من يسيطر على الساحل الغربي. ونعرض أحداث الشهر في خمسة محاور. أوَّلها: سقوط الساحل الغربي، والمعارك في جبال تعز. وثانيها: ما جرى في حضرموت، والجبهة الشرقيَّة. وثالثها: الهجوم الحكومي المضاد. ورابعها: هجمات جماعة الحوثي على السعوديَّة، والتحرُّك الدولي حولها. وآخرها الوضع الأمني داخل المناطق المحرَّرة.

المحور الأوَّل: سقوط الساحل الغربي، والمعارك في جبال تعز

شهد الساحل الغربي هذا الشهر أكبر تغيُّر في خريطة السيطرة منذ سنوات. في البداية أعلنت القوَّات الحكوميَّة أنَّها استعادت مديرية حيس كاملة، وتقدَّمت في الجراحي. ووصلت تعزيزات من العمالقة، ودرع الوطن، وانتقل قائد المنطقة العسكريَّة الرابعة إلى المخا ليشارك في إدارة المعارك. لكنَّ الصورة انقلبت خلال أيام قليلة. فسيطرت جماعة الحوثي على حيس، والخوخة، ثمَّ على مدينة المخا، ومينائها. ووصلت بعدها إلى جزر حنيشـ وجزيرة ميُّون، وقالت إنَّها سيطرت على ستِّ مديريَّات في تعز، والحديدة.

أعلن طارق صالح أنَّه يعيد ترتيب قوَّاته، وأنَّه شكَّل مركز قيادة بديلا، وقال إنَّ الانسحاب كان تكتيكيًّا، ثمَّ سافر إلى الرياض. واعترفت المقاومة الوطنيَّة بأنَّ أكثر من ألفي مقاتل من قوَّاتها سقطوا بين قتيل، وجريح. وتحدَّثت تقارير عن مستشارين إيرانيِّين ساعدوا جماعة الحوثي في هذا الهجوم. بعد ذلك انتقلت المعارك إلى جبال تعز، ولحج، في محاولة من الجماعة لتأمين تقدُّمها في الساحل الغربي. فهي تريد السيطرة على المرتفعات التي تطلُّ على باب المندب في كهبوب، والأغبرة. وخاضت القوَّات الحكوميَّة معارك شرسة، وتقول إنَّها سيطرت على مواقع مهمَّة أبرزها جبل قرفان جنوب تعز. وأعلنت تعز التعبئة العامَّة، وأعلن الجيش طريق تعز المخا منطقة قتل، ونفَّذ ضربات جوية على الطريق. وشارك الطيران الحربي الحكومي في معارك تعز لأوَّل مرَّة. في المقابل ضربت جماعة الحوثي مدينة تعز، والتربة بصواريخ باليستيَّة. وبعض الضربات بقيت محلَّ خلاف بين الطرفين. فالجماعة قالت إنَّ ضربة جولة ماوية أصابت سوقا، بينما قالت الحكومة إنَّها أصابت معسكرا، ومركبات تابعة لها. السقوط الدراماتيكي للمخا يثير سؤالا جدِّيًّا عن مدى تماسك القوى التي تقاتل جماعة الحوثي، وعن تعدُّد القرار داخلها.

المحور الثاني: حضرموت، والجبهة الشرقيَّة

عادت هجمات جماعة الحوثي هذا الشهر إلى وادي حضرموت. فقد ضربت مسيَّرة تابعة للجماعة رتلا لقوَّات درع الوطن في العبر، على الطريق المؤدِّي إلى منفذ الوديعة. وقتل ثلاثة جنود، وأصيب آخرون، وتوقَّفت الحركة على الطريق لساعات. وفي مأرب أطلقت الجماعة صاروخا باليستيًّا على مخيَّمات النازحين شمال المدينة، ولم يسفر عن إصابات. وقالت أيضا إنَّها أسقطت مقاتلة سعوديَّة فوق المحافظة، لكن لم تؤكِّد ذلك أيُّ جهة مستقلَّة.

في المقابل واصلت القوَّات الحكوميَّة تقدُّمها في الجوف. فأعلنت تحرير منطقة اليتمة، ثمَّ حاصرت معسكر اللبنات بعد أنْ سيطرت على المواقع المحيطة به. وقال مسؤول عسكري إنَّ معركة الجوف مرتبطة مباشرة بأمن حضرموت. وهذا منطقي جغرافيًّا، فالجوف هي الطريق الذي يمكن أنْ يأتي منه الخطر إلى صحراء حضرموت، والوديعة.

وعلى الساحل ظهر نوع آخر من الخطر. فقد قتل شخص، وأصيب آخر بغارة مسيَّرة على ساحل بروم غرب المكلاَّ. لم تعلن أيُّ جهة مسؤوليَّتها. لكن مصادر محلِّيَّة، وأمنيَّة رجَّحت أنَّها غارة أمريكيَّة، وأنَّ المستهدفين يشتبه بانتمائهم لتنظيم القاعدة. وفتحت شرطة ساحل حضرموت تحقيقا، واعتقلت عددا ممَّن كانوا في المكان. كما تعرَّض أكاديميُّون من جامعة إقليم سبأ لاعتداء مسلَّح داخل المحافظة. وفي البحر أبلغت هيئة بريطانيَّة عن زورق مجهول اقترب من سفينة قبالة المكلاَّ.

أمَّا السلطة المحلِّيَّة رَأَسَ محافظ حضرموت، وعضو مجلس القيادة سالم الخنبشي اجتماعا للجنة الأمنيَّة لرفع الجاهزيَّة. وكان قد وجَّه قبل ذلك بتشديد الرقابة على المنافذ، ومكافحة التهريب، والإرهاب. وفي منفذ الوديعة أحبطت كتيبة الأمن تهريب شحنة حبوب مخدّرة إلى السعوديَّة.

باختصار، تواجه حضرموت اليوم ثلاثة مصادر خطر في وقت واحد. الأوَّل: مسيِّرات جماعة الحوثي التي تصل إلى طرق الإمداد في الوادي. والثاني: عودة هادئة لنشاط القاعدة على الساحل. والثالث: خطر بحري يتَّسع مع اتساع التوتُّر في البحر الأحمر، وخليج عدن. وما فعلته السلطة المحلِّيَّة حتى الآن هو رفع الجاهزيَّة، وتشديد الرقابة. لكن لا يظهر فيما أعلن أيُّ إجراء فعلي يحمي الوادي من المسيِّرات.

المحور الثالث: الهجوم الحكومي المضاد، وحرب الاستنزاف

في بداية الشهر فتحت القوَّات الحكوميَّة عدَّة جبهات في وقت واحد. ففي البيضاء أطلقت عمليَّة عسكريَّة، وحرَّرت مواقع في الزاهر، ووصلت إلى أطراف ذي ناعم. وأعلنت ألوية العمالقة أنَّها سيطرت على مواقع متقدِّمة هناك. وفي الوقت نفسه بدأ هجوم واسع في حرض. وزار عضو مجلس القيادة عثمان مجلِّي الخطوط الأماميَّة في صعدة. ورفعت وزارة الدفاع نبرتها حين قالت إنَّ قرار تحرير صنعاء قد اتخذ.

بعد سقوط المخا تغيَّرت طريقة القتال. فقد صار الجيش يضرب تجمُّعات جماعة الحوثي، وتعزيزاتها، وطرق إمدادها قبل أنْ تصل إلى الجبهات. وارتفعت الأرقام المعلنة كثيرا. فالجيش تحدَّث عن (356) ستٍّ وخمسين وثلاثمائة عمليَّة في يوم واحد، ثمَّ عن أكثر من ألف عمليَّة في أربعة أيام. وقال إنَّه أوقع (2,300) ثلاثمائة وألفين من عناصر الجماعة بين قتيل، وجريح، وقتل أربعة خبراء إيرانيِّين خلال ثلاثة أيام. ورصد صحفيُّون تشييع الجماعة (422) اثنين وعشرين وأربعمائة قتيلا من عناصرها خلال الشهر، بينهم (143) ثلاثة وأربعون ومائة ضابط.

هذه الأرقام تأتي من أطراف الحرب نفسها، ولا يمكن التأكُّد منها بشكل مستقل. لكن المهم فيها ليس دقَّتها بل ما تدلُّ عليه. فالحكومة لم تعد تركِّز على استعادة الأرض بقدر ما تركِّز على إنهاك قدرة الجماعة على الهجوم. وهذا درس تعلَّمته من الساحل الغربي. لكنَّه قد يعني أيضا حربا أطول، وثمنا أكبر على المدنيِّين، خصوصا مع الاستهدافات المتكرِّرة لجماعة الحوثي للمدنيِّين. فقد سجَّلت منظَّمة الصحَّة العالمية (809) تسع وثمانمائة إصابة جديدة في أسبوع واحد.

المحور الرابع: هجمات جماعة الحوثي على السعوديَّة، والتحرُّك الدولي

وسَّعت جماعة الحوثي هجماتها على السعوديَّة في المكان، ونوع الأهداف. فبدأت بمنشآت الطاقة في الجنوب، وأصيب في هذه الهجمات (73) ثلاثة وسبعون مدنيًّا. ثمَّ قال التحالف إنَّ الهجمات وصلت إلى مكَّة المكرَّمة. وبعدها امتدَّت إلى قاعدة الطائف؛ إذْ تضرَّرت مقاتلة إيطاليَّة، وإلى قاعدة الملك خالد في خميس مشيط، وإلى محيط الرياض؛ إذْ اشتعل خزَّان وقود لأرامكو قرب المطار. وفي يوم واحد اعترضت الدفاعات السعوديَّة ستَّة صواريخ باليستيَّة. وذكرت تقارير أنَّ طهران هي من طلبت من الجماعة مهاجمة المملكة، ووعدتها بسلاح، ومال إضافيَّين.

في المقابل تحرَّكت دول عدَّة لحماية السعوديَّة. فقد وصل قائد القيادة المركزيَّة الأمريكيَّة إلى المملكة لبحث الردّ. لكنَّ واشنطن اكتفت وفق رويترز بتقديم معلومات استخباريَّة، والمساعدة في تحديد الأهداف، ولم تشارك في الضربات. وأرسلت بريطانيا دعما جوِّيًّا دفاعيًّا منه طائرة تزويد بالوقود. وأرسلت فرنسا جنودا، ورادارات لحماية منشآت ينبع. وطالب الاتحاد الأوروبي بمزيد من السفن لمهمَّة أسبيدس، وناقش مع الرياض دمج قوَّات بحريَّة. وتحرَّكت الهند، وإيطاليا لحماية السفن. أمَّا التنسيق بين السعوديَّة، وتركيا، وباكستان في إطار اتفاقيَّة مكَّة فانتقل إلى المستوى العسكري، مع أنَّ باكستان قالت في أوَّل الشهر إنَّ الردَّ العسكري ليس مطروحا. كما أدان مجلس الأمن هجمات جماعة الحوثي على المملكة.

كلُّ هذا التحرك دفاعي حتى الآن. فلم تعلن أيُّ دولة غربيَّة أنَّها ستشارك في هجوم داخل اليمن. لكنَّ الأدوات اللازمة لتوسيع الحرب أصبحت موجودة. ويبقى القرار الأمريكي هو ما سيحدِّد إنْ كان هذا الحشد سيبقى للردع، أم سيتحوَّل إلى هجوم.

المحور الخامس: الوضع الأمني داخل المناطق المحرَّرة

أظهر الشهر أنَّ الوضع الداخلي في المناطق المحرَّرة ما يزال هشًّا. ففي الضالع حاصر مسلَّحون تابعون للمجلس الانتقالي المنحلّ موكب وزير الدفاع، وقطعوا الطرق. وهذا حادث يمسُّ هيبة الجيش في وقت الحرب. في المقابل نجحت الأجهزة الأمنيَّة في كشف عدَّة خلايا تابعة لجماعة الحوثي في أبين، وتعز. وقال مدير أمن أبين إنَّ قوَّاته أفشلت خطَّة لاستهداف قيادات عسكريَّة. وكشف جهاز أمن الدولة تفاصيل عمليَّة قُتِل فيها قيادي في تنظيم داعش. ونجا قائد محور طور الباحة من محاولة اغتيال بعبوة ناسفة في لحج. معنى ذلك أنَّ الحرب المعلنة على الجبهات تسير معها حرب أخرى صامتة في الداخل. والأخطر أنَّ الخلاف بين القوى التي تقاتل جماعة الحوثي ما يزال قابلا للانفجار في أيِّ وقت، رغم أنَّ العدو واحد.

أبرز مؤشِّرات الرصد الأمني، والعسكري:

الدلالة الأمنيَّة/العسكريَّة الحدث التاريخ
يبيِّن أنَّ جماعة الحوثي كانت تستهدف الملاحة قبل تقدُّمها البرِّي على الساحل الحكومة ترفض استهداف ناقلة نفط سعوديَّة، وتطالب بردع تهديد الملاحة الثَّاني من سبتمبر
يبيِّن أنَّ الميناء كان تحت ضغط بحري قبل أيام من سقوطه القوَّات الحكوميَّة تدمِّر زورقا مفخَّخا حاول ضرب ميناء المخا الثَّالث من سبتمبر
يوثِّق وصول القصف إلى أضعف الفئات، ويضيف إلى الملف الحقوقي ضدَّ الجماعة تقارير حقوقيَّة: جماعة الحوثي تقصف مخيَّمات نازحين غرب تعز، ومدرسة أثناء الدوام الثَّالث من سبتمبر
يشير إلى أنَّ درع الوطن صار يملك قدرات جويَّة خاصَّة به، وأنَّ دوره يتوسَّع قوَّات درع الوطن تعلن تنفيذ ضربات جويَّة على جماعة الحوثي في الضالع الثَّالث من سبتمبر
يكشف ثغرات في آلية التفتيش، ويؤكِّد أنَّ الوقود ما يزال يصل إلى الجماعة بحرا خفر السواحل يعترض ناقلة أفرغت نفطا لجماعة الحوثي دون المرور بآلية التفتيش الأممية السَّادس من سبتمبر
يبيِّن أنَّ الجماعة تلجأ إلى العقاب لتخويف القبائل التي تتململ منها جماعة الحوثي تفجِّر منزل شيخ قبلي في البيضاء، والشيخ يتعهَّد بمواصلة القتال السَّابع من سبتمبر
يدلُّ على تفكير مبكِّر في مرحلة ما بعد التحرير، لكنَّه بقي كلاما بعد تراجع الساحل الغربي وزارة الداخليَّة تعلن خططا لتأمين المحافظات أثناء تحريرها وبعده الثَّامن من سبتمبر
يؤكِّد أنَّ الشرق صار ممرًّا رئيسا لتهريب المخدِّرات، وقد يكون لذلك صلة بتمويل الحرب المهرة تتلف أكثر من خمسة ملايين كبسولة مخدِّرة في أكبر عمليَّة من نوعها السَّادس عشر من سبتمبر
يشير إلى تحسُّن قدرة الحكومة على تتبُّع قيادات جماعة الحوثي الميدانيَّة، واستهدافها مقتل القيادي في جماعة الحوثي أمير غالب المجش، وقيادي آخر بغارة قرب باب المندب التَّاسع عشر من سبتمبر
يبيِّن أنَّ ملف الأسرى دخل حرب الروايات، وهذا قد يعقِّد صفقة التبادل المتعثِّرة الجيش يردُّ على رواية جماعة الحوثي عن استهداف أسرى من جنوده في الجوف الثَّاني والعشرين من سبتمبر
يعني أنَّ الخطر وصل إلى الطيران المدني، ويقوِّي رواية الحكومة عن دور إيران المباشر الجيش: جماعة الحوثي تستخدم صواريخ جوَّالة إيرانيَّة تهدِّد الطيران المدني السَّادس والعشرين من سبتمبر
يبيِّن أنَّ استهداف الخصوم السياسيِّين مستمر في مناطق سيطرة جماعة الحوثي بالتوازي مع الحشد للحرب اغتيال قيادي محلِّي في حزب الإصلاح في إب التَّاسع والعشرين من سبتمبر

Your Content Goes Here